الأحد - 16 اغسطس 2026

على خطى كلكامش.. المسرح العراقي بين ذاكرة الطين ودهشة الخشبة..!

منذ ساعتين
الأحد - 16 اغسطس 2026

مؤمل باسم ||

 

 

 

ليس غريباً أن يُولد المسرح العراقي في أرضٍ كانت، قبل آلاف السنين، تعرف كيف تحوّل الطين إلى كتابة، والطقس إلى حكاية، والإنسان إلى سؤال مفتوح على السماء. ففي بلاد الرافدين لم تكن الحكاية مجرد وسيلة للتسلية، بل كانت فعلاً من أفعال الوجود؛ تُروى لكي يُفهم الموت، ويُستعاد الغائب، ويُسأل الآلهة عن مصير الإنسان.

ومن هنا يمكن النظر إلى المسرح العراقي بوصفه امتداداً بعيداً لذاكرة قديمة، لا بمعنى أن المسرح الحديث هو نسخة عن طقوس سومر وبابل، بل لأن العراقي ظل يحمل في داخله ذلك الشغف القديم بالحكاية، وبالوقوف أمام سؤال الإنسان ومصيره.

ولعل كلكامش، ذلك الملك الذي خرج من أسوار أوروك بحثاً عن معنى الخلود، يمثل رمزاً فنياً بالغ الدلالة للمسرح العراقي؛ فكما كان كلكامش يقطع المسافات بحثاً عن إجابة، ظل المسرح العراقي طوال تاريخه يبحث عن إجابات لأسئلة الإنسان العراقي: من نحن؟ ماذا حدث لنا؟ وإلى أين نمضي؟

من الطين بدأت الحكاية

في بلاد الرافدين، لم يكن الطين مادة للبناء فحسب، بل كان ذاكرةً تحفظ أصوات الذين سبقوا. على ألواح الطين كُتبت الأساطير، وسُجلت الصراعات، وحُفظت أحلام البشر ومخاوفهم.

كانت ملحمة كلكامش واحدة من أعظم الشواهد على قدرة الإنسان العراقي القديم على تحويل التجربة الإنسانية إلى سردٍ درامي يحمل الصراع والحب والفقد والموت والبحث عن الخلود.

وربما لهذا تبدو العلاقة بين العراق والمسرح أكثر عمقاً من مجرد تاريخ فني حديث؛ فهناك إرث حضاري جعل الحكاية جزءاً من الوعي الجمعي.

وحين ظهرت الخشبة الحديثة، لم يكن العراقي يدخل إليها غريباً عن فكرة الحكاية، بل كان يحمل معه آلاف السنين من الأسئلة.

الخشبة العراقية.. حين أصبح الواقع شخصية

المسرح العراقي الحديث لم يكتفِ بأن يكون مساحة لعرض النصوص، بل تحول في مراحل كثيرة إلى مرآة للمجتمع.

على الخشبة ظهر الإنسان العراقي بتناقضاته: الحالم والخائف، البسيط والمثقف، المنتصر والمنكسر، الباحث عن وطن، والواقف أمام أبواب المستقبل.

ولذلك ارتبط المسرح العراقي بقضايا المجتمع والسياسة والحرب والهوية والفقر والحب والاغتراب. ولم يكن ذلك ارتباطاً عابراً، بل كان انعكاساً لطبيعة العراق نفسه؛ بلدٌ عاش تحولات تاريخية قاسية جعلت من الإنسان مادةً درامية لا تنضب.

فالمسرحي العراقي لم يكن يكتب عن الحياة من بعيد، بل كان يكتب غالباً من داخلها.

بين المقام والخشبة

يملك العراق تقاليد أدائية وفنية متنوعة سبقت المسرح الحديث وأسهمت في تشكيل الذائقة التي احتضنت الفن المسرحي لاحقاً.

فالحكواتي، والمقامات، والاحتفالات الشعبية، والمجالس، وفنون الأداء الشفهي، كلها أسهمت بدرجات مختلفة في تكوين علاقة العراقي بالصوت والحركة والحكاية والجمهور.

وعندما ظهرت الخشبة بمعناها الحديث، وجد الجمهور نفسه أمام شكل جديد، لكنه لم يكن غريباً تماماً عن روح الفرجة.

فالخشبة في جوهرها ليست خشباً وستارة وأضواء فقط؛ إنها اتفاق بين مجموعة من البشر على أن يعيشوا حكاية واحدة للحظات.

وهذا الاتفاق كان موجوداً، بأشكال مختلفة، في الثقافة العراقية منذ زمن بعيد.

المسرح العراقي.. ابن المدينة وذاكرة المكان

بغداد ليست مجرد خلفية للمسرح العراقي، بل كانت في مراحل كثيرة إحدى شخصياته الأساسية.

شوارعها، مقاهيها، أحياؤها الشعبية، تناقضاتها الاجتماعية، لغتها اليومية، وحتى أصواتها، وجدت طريقها إلى النص والعرض.

كما أسهمت مدن عراقية أخرى في صناعة المشهد المسرحي، فأصبح المسرح مساحة تتقاطع فيها بغداد والبصرة والموصل والنجف وكربلاء ومدن أخرى، لكل منها لهجتها وذاكرتها وأسئلتها.

ومن هنا فإن المسرح العراقي لم يكن فناً مركزياً محصوراً في قاعة واحدة، بل حالة ثقافية امتدت مع الإنسان العراقي أينما كان.

من جيل الرواد إلى أجيال التجريب

تاريخ المسرح العراقي هو أيضاً تاريخ أسماء وتجارب تركت بصماتها في المشهد العربي.

فقد عمل المسرحيون العراقيون على تطوير تقنيات الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والكتابة، ولم يتوقفوا عند حدود المسرح التقليدي.

ومع مرور الزمن، بدأت الخشبة العراقية تختبر أشكالاً جديدة في التعبير، وتبحث عن علاقة مختلفة بين الممثل والجمهور والمكان.

وهنا ظهرت أهمية التجريب المسرحي؛ إذ لم يعد السؤال: كيف نقدم المسرحية؟ بل أصبح: ماذا يمكن أن تكون المسرحية أصلاً؟

هل يمكن أن تصبح القاعة شارعاً؟
هل يمكن أن يصبح الجمهور جزءاً من الحدث؟
هل يمكن للجسد أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله؟
وهل تستطيع الخشبة أن تستعيد ذاكرة مدينة بأكملها؟

هذه الأسئلة جعلت المسرح العراقي جزءاً مهماً من حركة المسرح العربي المعاصر.

الحرب.. حين تحولت الخشبة إلى ذاكرة

يصعب الحديث عن الفن العراقي من دون المرور بمحطات الحروب التي تركت آثارها العميقة في الوعي الجمعي.

الحرب لا تقتل الجسد وحده؛ إنها تغير اللغة، والذاكرة، والعلاقات، وطريقة النظر إلى المستقبل.

ولهذا أصبحت الحرب موضوعاً متكرراً في المسرح العراقي، لكن المسرحي لم يكن معنياً فقط بتوثيق الأحداث، بل بمحاولة فهم آثارها الإنسانية.

ظهر الجندي، والأم، والطفل، والنازح، والفقير، والمدينة المدمرة، والإنسان الذي فقد شيئاً لا يستطيع استعادته.

وهنا امتلك المسرح وظيفة تتجاوز الترفيه: أن يمنح الذاكرة مكاناً لتتكلم.

المسرح بوصفه مقاومة للنسيان

في العراق، حيث تتراكم الأحداث بسرعة، يصبح النسيان خطراً آخر.

كل مرحلة تاريخية تكاد تزيح التي قبلها، وكل جيل يحمل ذاكرة مختلفة عن الجيل السابق.

وهنا تأتي أهمية المسرح.

إنه لا يحفظ الأحداث كما يفعل كتاب التاريخ، ولا يقدم الأرقام كما تفعل الوثيقة، لكنه يحفظ الإحساس الإنساني بالحدث.

قد ينسى الإنسان تاريخ يوم معين، لكنه يتذكر شخصية مسرحية جعلته يشعر بالخوف أو الحزن أو الأمل.

وهذا هو سر الفن.

الفن لا يحفظ الماضي فقط، بل يعيد إنتاجه داخل وجدان المتلقي.

كلكامش يعود إلى الخشبة

إذا كان كلكامش قد خرج من أوروك بحثاً عن سر الخلود، فإن المسرح العراقي يخوض رحلة مشابهة، ولكن بطريقة مختلفة.

إنه يبحث عن خلود الحكاية.

فالأجساد تغيب، والممثلون يتغيرون، والديكورات تُفكك بعد انتهاء العرض، والأضواء تنطفئ، لكن شيئاً واحداً يبقى: الأثر.

وهنا تلتقي الخشبة العراقية مع ملحمة كلكامش.

فكلكامش اكتشف أن الإنسان لا يخلد بجسده، وإنما بما يتركه من أثر.

والمسرح كذلك؛ لا يعيش بالعرض وحده، بل بما يتركه في ذاكرة المشاهد.

بين ذاكرة الطين ودهشة الخشبة

ثمة مسافة زمنية هائلة بين اللوح الطيني والخشبة الحديثة، لكن ثمة خيطاً خفياً يربطهما: الإنسان وهو يحاول أن يحكي نفسه.

على الطين كتب العراقي القديم خوفه من الموت.

وعلى الخشبة يطرح العراقي الحديث أسئلته عن الوطن والحرب والحب والهوية والمستقبل.

تغيرت الأدوات، لكن السؤال بقي.

كانت الكتابة على الطين محاولة لحفظ الذاكرة من الضياع، والمسرح اليوم محاولة أخرى لمنح الذاكرة جسداً وصوتاً وحركة.

ولهذا يمكن النظر إلى المسرح العراقي باعتباره رحلة مستمرة من ذاكرة الطين إلى دهشة الخشبة.

المسرح العراقي اليوم.. إلى أين؟

ربما يواجه المسرح العراقي اليوم تحديات جديدة؛ من تغير ذائقة الجمهور، إلى المنافسة الشديدة مع السينما والمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن التحديات الاقتصادية والإنتاجية.

لكن المسرح يمتلك شيئاً لا تستطيع الشاشة وحدها أن تمنحه: الحضور الحي.

الممثل أمامك، يتنفس أمامك، يخطئ أمامك، ينظر إلى عينيك، والجمهور يصبح جزءاً من الطاقة التي تصنع العرض.

وهذه العلاقة الإنسانية المباشرة هي جوهر المسرح.

لذلك لا يبدو أن المسرح العراقي أمام نهاية، بل أمام مرحلة جديدة تحتاج إلى جرأة أكبر في الكتابة والإخراج، وإلى الاستثمار في الشباب، وإعادة اكتشاف الفضاءات المسرحية، وفتح الخشبة أمام تجارب جديدة تتحدث بلغة هذا الجيل دون أن تقطع صلتها بجذورها.

حين لا تنطفئ الحكاية

من أوروك القديمة إلى بغداد الحديثة، تغيرت المدن والملابس واللغات والأدوات، لكن الإنسان بقي يبحث عن نفسه في الحكاية.

كان كلكامش يسأل عن الخلود، واليوم يسأل المسرح العراقي عن معنى البقاء وسط عالم سريع التغير.

ربما تكون الإجابة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه:

نحن نبقى بما نحكيه، وبما نتركه في ذاكرة الآخرين.

ولهذا فإن المسرح العراقي ليس مجرد فن يُعرض على خشبة؛ إنه ذاكرة تتحرك، ومدينة تتكلم، وتاريخ يعيد النظر في نفسه، وإنسان يقف تحت الضوء ليقول للعالم: هذه حكايتي.

وبين لوحٍ طيني حمل أولى الأسئلة، وخشبةٍ تحمل اليوم آلاف الأسئلة، يستمر العراق في أداء حكايته الطويلة.

حكاية بدأت منذ زمن كلكامش…
ولم تُسدل ستارتها بعد.