الحمى تجي من الرجلين ..!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

هناك أمثال شعبية تختصر في كلمات قليلة تجارب طويلة عاشها الناس، ومن بينها المثل القائل: «الحمّى تجي من الرجلين»، وهو مثل يمكن أن يحمل معنى إجتماعياً واسعاً، حين نستخدمه للتعبير عن أن بعض الأذى والمشكلات قد تأتي من الأقربين، لا من الغرباء، فالإنسان بطبيعته يضع حذره من الغريب، لكنه غالباً ما يكون أكثر إطمئناناً لمن يعرفه ويثق به.
ولهذا قد تكون صدمة القريب أقسى من إساءة الغريب؛ لأن القريب يعرف تفاصيل حياتنا، ويعرف نقاط قوتنا وضعفنا، ويعرف الأشياء التي نخفيها عن الآخرين.
ليس المقصود هنا أن نعيش في حالة من الشك تجاه الأهل والأصدقاء والمعارف، أو أن نعتبر كل قريب مصدر خطر، على العكس فالعلاقات الإجتماعية والروابط العائلية من أهم ما يحفظ تماسك المجتمع، لكن الحكمة تكمن في أن ندرك أن الثقة لا تعني إلغاء الحذر، والمحبة لا تعني غياب الحدود.
كم من إنسان وقف مع صديقه، وساعد قريبه، وفتح له قلبه وبيته، ثم أكتشف بعد سنوات أن الشخص الذي وثق به كان أول من نقل أسراره، أو أساء إليه، أو وقف ضده عندما أحتاجه، وفي المقابل هناك أقارب وأصدقاء يكونون في الشدائد أوفى من كل العالم، يقفون مع الإنسان من دون مصلحة، ويحفظون سره، ويصونون غيبته، ويكونون سنداً حقيقياً في وقت المحن، لذلك لا يجوز أن نجعل بعض التجارب السيئة حكماً على الجميع.
المشكلة ليست في القرابة، وإنما في سوء إستخدام القرب والثقة، فالإنسان الناضج لا يقطع علاقته بالناس بسبب تجربة مؤلمة، لكنه يتعلم منها، لا يكره الجميع بسبب شخص أخطأ بحقه، ولا يمنح ثقته بلا حساب بسبب حسن نيته.
إن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذا المثل هو أن نكون طيبين دون أن نكون ساذجين، وأن نحب دون أن نفقد قدرتنا على التمييز، وأن نحافظ على صِلة الرحم دون أن نسمح لأحد بأن يتجاوز حدود الإحترام، وفي النهاية قد يأتي الأذى من قريب، كما قد يأتي الخير من غريب، لذلك لا ينبغي أن نحكم على الناس بمقدار قربهم منا، وإنما بمقدار صدقهم ووفائهم وأخلاقهم.
القرب الحقيقي ليس قرب الدم فقط، ولا كثرة اللقاءات، وإنما أن تجد إنساناً يحفظك في غيابك، ويسندك في ضعفك، ولا يحوّل أسرارك إلى سلاح ضدك، وربما لهذا بقيت الأمثال الشعبية حية في وجداننا؛ لأنها لا تتحدث عن زمن مضى، بل عن الإنسان نفسه والإنسان، مهما تغيرت الأيام، يبقى بحاجة إلى أن يعرف من يقترب منه، ومن يستحق ثقته.
الحمّى قد تأتي من الرجلين، لكن الحكمة أن نعرف أين نضع أقدامنا، ومن نسمح له أن يمشي معنا في الطريق.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




