الأحد - 16 اغسطس 2026

اليائسون من رحمة الله؛ رؤية قرآنية [2-3] خصوصية المفردة القرآنية 84 اليأس حين يشتد البلاء… أين يقف رجاء المؤمن؟!

منذ ساعتين
الأحد - 16 اغسطس 2026

د. رعد هادي جبارة
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

 

 

 

🔷(المقال الثاني من 3 مقالات)إذا كان المقال الأول من هذا البحث قد وقف بنا عند دلالة اليأس في الاستعمال القرآني، و ما يتصل به من ألفاظ كالقنوط والخيبة و الحزن، فإن القرآن الكريم لا يترك هذه المفردة في إطارها اللغوي المجرد، بل يكشف لنا عن صور متعددة يتسلل فيها اليأس إلى النفس، و يبيّن في الوقت نفسه أن المؤمن لا ينبغي أن يسمح له بأن يتحول إلى قطيعة مع رحمة الله، أو سوء ظن به، أو انقطاع عن العمل والأخذ بالأسباب.

🔷ومن هنا تتعدد صور اليأس في القرآن، وإن كان يجمعها خيط واحد: انقطاع الرجاء فيما عند الله، أو استبعاد الفرج الذي يقدّره الله لعباده.
🔹أولًا: اليأس من رحمة الله
وهذه أخطر صور اليأس وأشدها اتصالًا بعقيدة الإنسان في ربه؛ إذ قد يثقل الذنب على صاحبه حتى يتصور أن أبواب الرحمة قد أغلقت دونه، وأن كثرة ما اقترف من المعاصي جعلته أبعد من المغفرة.
🔹لكن القرآن يفتح أمام هذا الإنسان بابًا لم يغلقه الله في وجهه:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
🔹والتعبير القرآني هنا بالغ الدلالة؛ فالنداء لم يأتِ بـ«يا أيها المؤمنون»، وإنما جاء:
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾
🔹وكأن الرحمة الإلهية تسبق العبد حتى وهو في حال إسرافه على نفسه.
ولا يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أن الإنسان يستغني عن التوبة، بل الآية في سياق الدعوة إلى الرجوع إلى الله؛ فالرحمة ليست إذنًا بالإقامة على المعصية، وإنما هي فتح لباب العودة بعد السقوط.
🔹ومن هنا يأتي قوله تعالى:
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾،
وقوله:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
🔹فالمشكلة ليست في عظم الذنب وحده، وإنما في أن يتحول الذنب إلى قناعة بالهلاك، ثم تتحول القناعة بالهلاك إلى ترك للتوبة.
وهنا تظهر خصوصية دقيقة في المفردة:
اليأس قد يجعل الإنسان يعاقب نفسه قبل أن يحكم الله عليه.

🔷ثانيًا: اليأس عند اشتداد الكرب
ليس اليأس دائمًا نتيجة معصية؛ فقد ينشأ من شدة البلاء، وطول الانتظار، و تراكم المحن.
🔹وهنا يأتي القرآن بقصة يعقوب ع نموذجًا بالغ العمق.
إذ فقد يوسف ع، ثم فقد بنيامين، وامتد به الحزن سنين، ومع ذلك لم يتحول حزنه إلى يأس من الله.
🔹ولهذا قال لبنيه:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
🔹لقد كان يعقوب حزينًا، ولكنه لم يكن يائسًا.
وهذه نقطة تستحق التوقف:

🔹الحزن لا يساوي اليأس.
قد يحزن المؤمن، وقد يبكي، وقد يشتد عليه البلاء، وقد يشعر بثقل الطريق، ولكنه مع ذلك يبقي نافذة الرجاء مفتوحة على الله.
🔹ولهذا فإن القرآن لا يطالب الإنسان بأن يلغي مشاعره الإنسانية، وإنما يطالبه ألا يسمح لها بأن تقطعه عن ربه.
ويعقوب ع نموذج لذلك:
🔹حزنٌ شديد، و رجاءٌ أشد.
بل إن القرآن ينقل عنه قوله:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
فالشكاية إلى الله ليست يأسًا من الله.
إنما اليأس أن يشكو الإنسان من الله إلى غيره، أو يعتقد أن الله لا يملك له فرجًا.
أما أن يرفع حزنه إلى الله، فهذا عين الافتقار إليه.

🔷ثالثًا: حين يأتي الفرج من حيث لا يحتسب الإنسان
ومن أجمل المشاهد القرآنية في هذا الباب قصة إبراهيم ع.
فبعد أن بلغ به الكبر مبلغًا، جاءت البشارة بالولد:
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
فجاء الجواب:
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾.
فقال إبراهيم ع:
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
🔹وهذه الآية لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن سياقها؛ فإبراهيم عليه السلام لم يكن معترضًا على قدرة الله، وإنما كان مستفهمًا عن كيفية وقوع ما بشّروه به في ضوء الأسباب المعتادة.
🔹فالقدرة الإلهية لا يحكمها المألوف البشري.وما يبدو للإنسان مستحيلًا بحسب العادة، قد يكون عند الله أمرًا يسيرًا.
🔹وهنا يتجلى معنى مهم:اليأس كثيرًا ما يولد حين يقيس الإنسان قدرة الله بحدود الأسباب التي يراها.
أما الإيمان فيعلمه أن الأسباب ليست مستقلة عن مسببها، وأن الله قادر على أن يفتح بابًا لم يخطر للإنسان على بال.

🔷رابعًا:اليأس من النصر

ومن صور اليأس التي يكشفها القرآن اليأس الذي قد يعرض للإنسان حين يطول الصراع ويشتد البلاء.
قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنَجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾.
وهذه الآية من أكثر المواضع القرآنية إثارة للتدبر؛ لأنها تأتي في سياق الحديث عن الرسل، ثم يأتي النصر في اللحظة التي تبلغ فيها الأزمة غايتها.
🔹والرسالة هنا ليست أن المؤمن لا يمر بلحظة ضيق، و إنما أن بلوغ الشدة غايتها لا يعني أن وعد الله قد انتهى.
🔹فالقرآن يربط مجيء النصر باشتداد الأزمة، لا بانعدامها.
ولهذا قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
و«مع» هنا تفتح أمام المتدبر معنى لطيفًا: فاليسر ليس بالضرورة شيئًا يأتي بعد أن ينتهي العسر بالكامل، بل قد يكون مصاحبًا له، وإن لم يره الإنسان في اللحظة التي يعيش فيها المحنة.
🔹ومن هنا ينبغي أن يحذر المؤمن من أن يجعل المشهد الراهن معيارًا نهائيًا لوعد الله.
فقد يرى الهزيمة، بينما يهيئ الله النصر.
وقد يرى انسداد الطريق، بينما يكون الله قد بدأ فتح طريق آخر.
🔹وقد يرى تأخر الفرج، بينما يكون التأخير نفسه جزءًا من الحكمة.

🔷خامسًا:اليأس من تبدل الحال

ومن صور اليأس التي نبّه إليها القرآن اليأس من تغيّر الأحوال المادية والمعيشية.
قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾
وقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾.
ثم يقول سبحانه:
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
🔹فالإنسان قد يفرح بالنعمة حتى يظن أنها ستدوم له، فإذا سُلب بعضها ظن أن أبواب الخير قد أغلقت إلى الأبد.
🔹وهذا من ضعف النظر إلى سنن الله؛ فالقبض والبسط كلاهما داخلان في تدبيره.
🔹وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يسعى لتغيير واقعه، بل إن القرآن يربط الرجاء بالعمل، والثقة بالله بالأخذ بالأسباب.

🔷سادسًا:اليأس من الهداية

وهذه صورة دقيقة أيضًا؛ إذ قد يظن الإنسان أن شخصًا ما قد بلغ من الضلال مبلغًا يستحيل معه أن يهتدي.
☆لكن من الذي يملك القلوب؟
☆ومن الذي يعلم خواتيم الناس؟
☆ومن الذي يقلب القلوب كيف يشاء؟
قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
🔹ومن المهم هنا أن ننتبه إلى أن «يَيْأَس» في هذه الآية ليست بمعنى القنوط، بل جاءت بمعنى [يعلم] على ما هو معروف في كتب اللغة و التفسير.
🔹وهذا الاختلاف في الدلالة يكشف مرة أخرى أهمية عدم التعامل مع المفردة القرآنية بمعزل عن سياقها.
فالكلمة الواحدة قد تتلون دلالتها بحسب السياق، والقرآن هو الذي يحدد مرادها.
🔹أما اليأس بمعنى القنوط من هداية الناس، فهو موقف ينبغي للمؤمن أن يحذره؛ لأن الإنسان لا يعلم خاتمة أحد.
🔹كم من إنسان ظنه الناس بعيدًا عن الله، فإذا به يصبح من أولياء الله.
🔹وكم من قلب كان غارقًا في الظلام، ثم أشرقت فيه الهداية.

🔹والنتيجة: ليس كل حزن يأسًا
بعد استعراض هذه الصور، تتضح لنا حقيقة مهمة:
ليس المؤمن مطالبًا بأن يكون إنسانًا لا يحزن.
ولا أن يعيش بلا خوف.
ولا أن يتجاهل الألم.
ولا أن يتظاهر بأن كل شيء بخير.
إنما المطلوب ألا يتحول الألم إلى قنوط،
وألا يتحول الخوف إلى سوء ظن بالله،
وألا يتحول تأخر الفرج إلى إنكار لوعد الله.
ولهذا كان يعقوب حزينًا ولم يكن قانطًا، وكان إبراهيم متعجبًا ولم يكن يائسًا، وكان المؤمنون يمرون بالشدائد دون أن يكون ذلك إذنًا لهم بقطع الرجاء.
🔹وهنا تظهر المسافة الدقيقة بين الحزن واليأس:

الحزن يقول:
أنا أتألم لأنني فقدت ما أحب.
أما اليأس فيقول:
لن يتغير شيء، ولا فرج هناك، ولا رحمة تنتظرني.
🔹الأول حالة إنسانية.
🔹أما الثاني فقد يتحول إلى موقف من الله.
ومن هنا نعود إلى الآية الأولى
حين نقرأ قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾،
🔹بعد هذه الجولة في استعمالات المفردة، يصبح التعبير أكثر عمقًا؛
☆فاليأس من رحمة الله ليس مجرد دمعة حزن،
☆ولا مجرد لحظة ضعف،
☆وإنما هو موقف يتصل بما يعتقده الإنسان في ربه، وفي رحمته، وفي لقائه، وفي مآله إليه.
🔹ومن هنا يأتي السؤال الذي يستحق أن يكون خاتمة هذا البحث:
إذا كان اليأس من رحمة الله بهذه الخطورة، فمن هم الذين بلغ بهم الأمر أن وصفوا بأنهم *«يائسون من رحمة الله»؟*
🔹وهل اليأس مجرد حالة نفسية عابرة، أم قد يتحول إلى نتيجة لعقيدة وسلوك وموقف من الله ورسوله وآله؟

👈🏽ذلك ما سنحاول الوقوف عليه في المقال الثالث، حيث ننتقل من صور اليأس إلى مصير اليائسين من الرحمة، ونقف عند نماذج وردت في النصوص، ومنها عاق الوالدين، ومبغضو أهل البيت عليهم السلام، مع وقفة مختصرة عند استعمال آخر للمفردة.
_يتبع…