إيران الجمهورية الثالثة ولدت في الحرب وانتقلت للهجوم الاستراتيجي..!
ميخائيل عوض / لبنان ||

إيران الجمهورية الثالثة ولدت في الحرب وانتقلت للهجوم الاستراتيجي… عنوان الهجوم : معاقبة ترامب والتنكيل به وإسقاطه… القادة الجدد : لغة حادة وشروط قاطعة؛ غزة تتصدر ملف التفاوض، وأمريكا مستهدفة على أراضيها… إسرائيل تعاقب ضباطها، أمريكا تشيد بإبداع إيران وروسيا تساند إيران في سد ثغرات الدفاع !!
ولادة الجمهورية الإيرانية الثالثة: إعادة تأسيس دولة الولاية تحت النار
في هذا المحور قراءة نوعية على ضوء التعيينات التي أعلن عنها القائد مجتبى خامنئي في مراتب القيادة بأن ما يجري في إيران لا ينبغي اختزاله في مجرد تعيينات جديدة داخل المؤسسة العسكرية، أو في محاولة لملء مواقع قيادية شغرت بفعل الحرب، وإنما ينبغي قراءته بوصفه تحولاً تاريخياً في بنية الجمهورية الإسلامية نفسها، وانتقالاً إلى طور جديد يمكن تسميته «الجمهورية الإيرانية الثالثة». وهذه التسمية
هي توصيف تحليلي لمرحلة جديدة دخلتها إيران بعد هذا الإعلان ولتفسير هذا الانتقال، بالعودة إلى تاريخ الجمهورية منذ ولادتها، وأنها مرت بمراحل كبرى متمايزة: المرحلة الأولى كانت مرحلة الثورة والانتصار والتأسيس بقيادة الإمام الخميني؛ إذ لم تكن الثورة الإيرانية،انقلاباً عسكرياً أو تغييراً محدوداً في رأس السلطة، بل ثورة شعبية حقيقية أسقطت نظاماً شديد القوة والرسوخ ومدعوماً من الغرب، ثم انتقلت من إسقاط النظام القديم إلى إعادة بناء الدولة نفسها. فالخميني، لم يرث الدولة القائمة ويواصل إدارتها بأدواتها السابقة، بل قلب بنيتها وأعاد صياغة مؤسساتها وقواعدها ومفاهيمها، وأنشأ جهاز دولة جديداً على قاعدة فكرية وسياسية مختلفة عن النماذج الغربية والشرقية التي كانت سائدة، ثم تولى قيادة هذا النموذج الجديد في مواجهة الحرب التي شنها صدام حسين على إيران بدعم وإسناد إقليمي ودولي واسع، فتحولت الحرب العراقية ـ الإيرانية إلى الاختبار التأسيسي الأول للجمهورية الإسلامية، وإلى المدرسة التي تخرّج فيها جيل واسع من القيادات التي ستقود إيران لاحقاً.
ثم جاءت، المرحلة الثانية مع انتقال القيادة إلى علي خامنئي بعد وفاة الخميني. فإذا كان الخميني قد أنجز الثورة والانتصار والتأسيس، فإن المهمة التاريخية التي واجهت خامنئي كانت المحافظة على هذا الإرث وترسيخ الدولة التي أنشأتها الثورة. ولذلك نصف هذه المرحلة بأنها مرحلة التعايش بين الثورة والدولة: الحفاظ على قيم الثورة ومبادئها وعناوينها، وفي الوقت نفسه تثبيت أركان الدولة، وحماية استقرارها، وإدارة تناقضاتها الداخلية، وتطوير قدراتها، واعتماد استراتيجيات الصبر والصمود والثبات والتحمل والبصيرة. ونرى أن خامنئي نجح في إبقاء الروح الثورية حية داخل دولة مؤسسات، فلم تتحول الثورة إلى مجرد ذكرى تاريخية، ولم تتحول الدولة إلى جهاز منفصل عن الثورة. وخلال هذه المرحلة نشأت أجيال جديدة داخل مؤسسات الحرس والجيش والأمن والدولة، وتراكمت خبرات الحرب والمواجهة والصمود، وصولاً إلى بناء منظومة سياسية وعسكرية واجتماعية استطاعت إيران من خلالها أن تحافظ على نفسها وتطور نفوذها وقدراتها رغم الضغوط والعقوبات والحروب غير المباشرة.
أما المرحلة الثالثة التي نرى أن إيران تدخلها الآن، فهي مختلفة جذرياً لأنها تأتي في ظل حرب مباشرة ومفتوحة وتحت النار. وهنا تظهر أهمية شخصية مجتبى خامنئي ليس فقط باعتباره شخصية وصلت إلى موقع القيادة في زمن الحرب، وإنما باعتباره ممثلاً لمرحلة جيلية جديدة؛ جيل نشأ داخل الدولة التي بنتها الثورة، لكنه يحمل في الوقت نفسه إرث الثورة ومؤسساتها وقيمها. ولهذا نلفت إلى أن خامنئي الشاب ليس، في تصوره، شخصية منفصلة عن المؤسسة الثورية، بل هو ابن هذه المؤسسة، ومرتبط بالحرس وبثقافة الثورة وبالحرب وبالخطاب القرآني والثوري، وقادر على الجمع بين جيلين: جيل الثورة المؤسس، وجيل الدولة الذي نشأ وترعرع داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية. وهذه القدرة على الجمع بين الجيلين هي، في نظرنا، إحدى أهم ميزات المرحلة الجديدة.
وهنا أهمية كبيرة للصورة التي ظهر فيها مجتبى خامنئي إلى جانب عدد من المسؤولين والقادة؛
نحن لا يتعامل معها باعتبارها مجرد صورة إعلامية، بل نرى في طريقة الجلوس والبساطة وعدم الاستعراض واستقبال المسؤولين دلالة على استمرار ثقافة الثورة نفسها، ونستحضر في هذا السياق صورة الخميني وحياته البسيطة، وشقته المتواضعة في طهران، ورفضه مظاهر القصور والبذخ. ولذلك فإن الرسالة التي يقرأها عوض من الظهور هي أن القيادة الجديدة تريد أن تقول إن الإرث الثوري لم ينقطع، وإن انتقال القيادة لا يعني انفصال الجيل الجديد عن الثقافة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.
ويتصل بذلك ، الاجتماع الطويل بين مجتبى خامنئي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والذي استمر، نحو سبع ساعات. فإن أهمية الاجتماع تتجاوز مدته الزمنية، لأنه جاء رداً عملياً على الروايات التي تحدثت عن غياب القيادة، أو إصابتها، أو عجزها عن إدارة الدولة، أو وقوع إيران في الفوضى والانفلات. فالصورة التي نريد استخلاصها هي صورة قيادة حاضرة، تتواصل مع رأس السلطة التنفيذية، تراجع التفاصيل، وتضع خطة للحرب والدولة معاً. وفي هذا الاجتماع، وفق قراءتنا جرى بحث الرؤية والخطة والاستراتيجية، بما يعني أن هناك تصوراً واضحاً للمرحلة المقبلة، وليس مجرد ردود فعل متفرقة على التطورات العسكرية.
ومن هنا ننتقل إلى جوهر المسألة: التعيينات الجديدة داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية. نرى أن قيمة هذه التعيينات لا تكمن فقط في أسماء الأشخاص الذين جرى تعيينهم أو ترقيتهم أو نقلهم، بل في الهيكل الذي تنتجه هذه التغييرات. فهي عملية إعادة هيكلة للمؤسسة العسكرية بمختلف فروعها، مع دمج بعض مواقع القيادة، وربط مراكز القرار ببعضها، وإيجاد صيغ قيادة تسمح بأن تكون هناك شخصية تقود مؤسستين أو أكثر، أو قيادة ونائب، أو تشكيل قيادي متكامل، بهدف أساسي هو تسريع القرار العسكري، وتوحيد المبادرة، وتحقيق الانسجام والتكامل داخل المؤسسة العسكرية. فالحرب ، لا تحتمل تعدد مراكز القرار ولا البطء ولا التنافس بين المؤسسات؛ ولذلك فإن إيران تعيد بناء منظومة القيادة لتكون أكثر سرعة وقدرة على المبادرة والاستجابة.
والأهم بالنسبة لنا أن قسماً كبيراً من القادة الذين جرى اختيارهم ينتمي إلى جيل الثورة والحرب العراقية ـ الإيرانية. هؤلاء، رجال تشكل وعيهم في اللحظة المؤسسة للجمهورية الإسلامية، وانخرطوا في الحرب الأولى، وعاشوا تجربة الدفاع عن إيران، وتربوا داخل مؤسسات الثورة والحرس والجيش. ولذلك فإن اختيارهم الآن يحمل رسالة استراتيجية: من يقود الحرب الجديدة يجب أن يكون قد عرف الحرب الأولى، ومن عرف لحظة تأسيس الدولة أكثر قدرة على فهم معنى الدفاع عنها في لحظة الخطر الوجودي. وأن هذه النقطة تميز التجربة الإيرانية عن تجارب أخرى في المنطقة، حيث جرى أحياناً إبعاد القيادات التي راكمت خبرتها في الحروب والصراعات واستبدالها بمستشارين أو شخصيات لا تمتلك الخبرة نفسها.
وهنا الطرح ، بصورة واضحة، درساً يستخلصه من تجارب المنطقة، ولا سيما التجربة السورية؛ فنخن نقارن بين اعتماد القيادة على قيادات مختبرة نشأت في زمن المعركة وبين إبعاد القيادات التي عاشت التجربة العسكرية واستبدالها بأشخاص ومستشارين متعددي الولاءات أو المرجعيات. ونرى أن إيران تبدو وكأنها قرأت هذا الدرس جيداً: في الحرب لا يجوز أن تتحول القيادة إلى مساحة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، ولا إلى توزيع للمواقع بين شخص محسوب على جهة غربية أو أوروبية أو تيار سياسي معين؛ بل المطلوب هو اختيار الأشخاص الذين يعرفون الدولة والحرب والمؤسسة والمجتمع، والقادرين على الإمساك بالقرار في اللحظة الحرجة.
ومن هنا نصل إلى مفهوم أكثر عمقاً، هو إعادة هيكلة «الدولة العميقة» أو دولة الولاية في إيران. فالجمهورية الإسلامية، بحسب توصيفنا ، تحتوي على مستويين متداخلين: دولة مدنية اجتماعية بمؤسساتها الدستورية والحكومية، ودولة الولاية بما تمثله من مؤسسات ثورية وعسكرية وأمنية تشكل العمود الفقري للنظام. وفي الظروف الطبيعية يمكن أن تظهر التباينات بين المستويين، كما يمكن أن تتنافس التيارات الإصلاحية والمحافظة والراديكالية، وأن تحدث صراعات وخلافات داخلية وشد وجذب بين القوى السياسية. لكن الحرب تغير قواعد العمل؛ لأن الدولة التي تخوض حرباً وجودية لا تستطيع أن تسمح للتناقضات الداخلية بأن تتحول إلى تعطيل للقرار الاستراتيجي.
ولهذا نقرأ المرحلة الحالية باعتبارها محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة المدنية ودولة الولاية، لا لإلغاء إحداهما لمصلحة الأخرى. فالدولة المدنية تواصل عملها ومؤسساتها، والرئيس والحكومة يمارسان أدوارهما، لكن في القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالحرب والأمن والدفاع وبقاء الدولة يصبح المطلوب تكامل القرار وعدم تعطيله. فالاجتماع الطويل مع بزشكيان له معنى واضحاً في هذا السياق: يمكن للإصلاحيين والمحافظين أن يختلفوا في السياسة، ويمكن أن يختلفوا في العلاقة مع أوروبا وأمريكا وفي الخيارات الاقتصادية، لكن الحرب وحماية إيران وإدارة الدولة في زمن الحرب ليست مجالاً للتنازع الذي يعطل القرار.
وهذه العملية، في قراءتنا، لا تتعلق فقط بالعلاقة بين مؤسسات السلطة، بل تمتد إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع. فإعادة هيكلة دولة الولاية في ظروف الحرب تهدف أيضاً إلى إعادة شد العلاقة بين مختلف فئات المجتمع ومستويات السلطة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتوفير قاعدة شعبية للمؤسسات التي تقود الحرب. فالدولة لا تستطيع الصمود في حرب طويلة إذا كانت مؤسساتها منفصلة عن مجتمعها، ولذلك فإن الجمهورية الثالثة التي تحدثنا عنها تريد أن تجعل العمود الصلب للنظام أكثر تماسُكاً وأكثر اتصالاً بالقاعدة الاجتماعية، وأن تحول الحرب من عامل تفكيك إلى عامل إعادة توحيد.
وفي هذا السياق نستحضر تجارب كوبا وسوريا باعتبارهما مثالين على أهمية وجود شبكة أمان اجتماعية ومؤسساتية تسمح للدولة بالصمود تحت ضغط طويل. فالصمود، في قراءتنا لا تصنعه القوة العسكرية وحدها؛ بل تصنعه أيضاً قدرة الدولة على حماية المجتمع، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار، وإبقاء الناس مرتبطين بمؤسساتها، وتحويل الصبر والتحمل إلى قوة سياسية في مواجهة الخصم. ومن هنا فإن إعادة الهيكلة الإيرانية ليست عسكرية فقط، بل هي محاولة لإعادة إنتاج تماسك الدولة والمجتمع في زمن الحرب.
وأن ما يجري في إيران يجب أن يفهم أيضاً من خلال التجربة التاريخية للثورة نفسها. فالثورات، كما نقول ضمنياً، تمر عادة بمراحل؛ تبدأ بالانفجار الشعبي، ثم تسقط النظام القديم، ثم تدخل مرحلة بناء الدولة، ثم تواجه الانشقاقات والصراعات الداخلية، وبعض القوى التي شاركت في الثورة تنقلب عليها أو تخرج منها، لكن الثورة لا تسقط بالضرورة. وهذا ما نراه في تجربة إيران: بعد الثورة حدثت صراعات وانشقاقات وانقسامات داخل القوى الثورية، وظهرت توقعات متكررة بأن النظام سيسقط خلال ساعات أو أيام أو أسابيع، لكنه بقي واستمر، ثم جاءت مرحلة التثبيت الطويلة في عهد خامنئي.
أما الآن، فالحرب تفرض الانتقال إلى آلية عمل مختلفة عن آلية الصبر الاستراتيجي التي حكمت المرحلة السابقة. فمرحلة التمكن والصبر والبناء كانت تتطلب الانتظار والتحمل وتراكم القوة، بينما المرحلة الحالية تتطلب سرعة القرار، والتكامل، والمبادرة، وإعادة تنظيم المؤسسات. لذلك فإننا نرى في التعيينات الجديدة وفي دمج مواقع القيادة وفي اختيار جيل الحرب والثورة محاولة للانتقال من نموذج «الصبر الاستراتيجي» إلى نموذج «إدارة الحرب والمبادرة».
ونصل من خلال ذلك إلى استنتاج بالغ الأهمية: إن إيران، في رأينا لا تتصرف كدولة تنتظر نهاية الحرب كي تعيد بناء نفسها، بل تستثمر الحرب نفسها في إعادة تأسيس الدولة. الحرب تكشف الثغرات، فتتم معالجة الثغرات؛ وتكشف الحاجة إلى سرعة القرار، فتُدمج القيادات؛ وتكشف أهمية العلاقة مع المجتمع، فتُعاد صياغة هذه العلاقة؛ وتفرض انتقالاً جيلياً، فيأتي جيل جديد يحمل إرث الثورة وخبرة المؤسسات؛ وتفرض تنسيقاً بين الدولة المدنية ودولة الولاية، فيجري العمل على تحقيق هذا التكامل.
ولهذا نصف مجمل هذه الإجراءات بأنها «قطع للشك باليقين» في مسألتين: الأولى أن القيادة الإيرانية الجديدة متمكنة وحاضرة وأن الإدارة في إيران ليست في حالة فوضى أو انفلات؛ والثانية أن إيران عازمة على خوض الحرب حتى نهايتها وفق خطة واستراتيجية محددتين. فالاجتماع المطول مع بزشكيان، والتعيينات العسكرية الواسعة، وإعادة تنظيم مراكز القيادة، واختيار القادة المجربين، كلها تأتي، في تصورنا ، ضمن مشروع واحد وليس كقرارات منفصلة.
وبالتالي فإن «الجمهورية الإيرانية الثالثة» التي أعلنها المرشد بقرار التعيينات تعني، في جوهرها، إعادة تأسيس الجمهورية الإسلامية من داخلها من دون التخلي عن إرثها الثوري: جمهورية تحتفظ بقيم الثورة وبالولاية وبالهوية السياسية التي تأسست عليها، لكنها تعيد ترتيب مؤسساتها، وتعيد وصل الدولة بالمجتمع، وتوحد مؤسساتها العسكرية، وتستعيد جيلها القيادي المؤسس، وتدمج الخبرة المتراكمة في الحرب الأولى مع تحديات الحرب الجديدة، وتضع العلاقة بين الدولة المدنية ودولة الولاية في صيغة أكثر تكاملاً، وتنتقل من مرحلة التثبيت والصبر الاستراتيجي إلى مرحلة المبادرة وإدارة الحرب.
وعليه، فإننا لا نرى في ظهور مجتبى خامنئي والتعيينات الأخيرة مجرد «انتقال قيادة»، بل نراهما جزءاً من انتقال دولة؛ من جمهورية تأسست بالثورة، إلى جمهورية ترسخت بالصبر والبناء، ثم إلى جمهورية ثالثة تولد من رحم الحرب، وتعيد بناء بنيتها العميقة وهي تحت النار. وفي هذا المعنى تحديداً تصبح الحرب، اختباراً للجمهورية الإسلامية، وطورا لإعادة تشكيلها وإعادة تأسيسها لمرحلة تاريخية جديدة.
*تحالف مكة لا يقلق إيران وإنما يقلق إسرائيل*
نضع اتفاق مكة الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان في إطار مختلف جذرياً عن القراءة التي حاولت تقديمه باعتباره ولادة «ناتو عربي وإسلامي سني» موجهاً ضد إيران أو صنعاء، أو باعتباره تحالفاً عسكرياً أُنشئ لتأمين الدور الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة وتوريط دولها في حروب بالوكالة. فبالنسبة لنا الوقائع التي ظهرت لا تؤيد هذه القراءة، بل تشير إلى شيء آخر تماماً: اتفاق العاجزين أو ائتلاف الضرورة؛ أي أن الدول الثلاث لم تجمعها فائض قوة ورغبة في خوض حرب جديدة، وإنما دفعتها ظروف استراتيجية مستجدة إلى التساند فيما بينها لحماية نفسها وأدوارها ومكانتها في منطقة تشهد تحولاً عميقاً، وفي مرحلة نرى أن الولايات المتحدة فيها تمر بمرحلة انحسار وتراجع وخروج تدريجي من المنطقة. ومن ثم فإن السعودية وتركيا وباكستان، وفق هذا المنظور، تحاول كل منها أن تستثمر في التحولات الجارية وأن تبني لنفسها شبكة أمان إقليمية بدلاً من الاعتماد الكامل على مظلة أمريكية لم تعد قادرة على حماية قواعدها فضلا عن أن تقدم الضمانات لهذه الدول. ونعتبر أن أول دليل ملموس على أن الاتفاق ليس موجهاً ضد إيران هو الموقف الإيراني نفسه؛ فإيران رحبت بالاتفاق، وهو موقف نراه منطقياً بالنظر إلى طبيعة العلاقات التي تربطها بالدول الثلاث وإلى معرفة طهران الدقيقة بحقيقة ظروفها وأهدافها. فلو كان الاتفاق، كما يقال، تحالفاً حربياً يستهدف الجمهورية الإسلامية، لكان من الطبيعي أن تتعامل إيران معه بوصفه تهديداً استراتيجياً مباشراً، لكن الرد الإيراني جاء هادئاً، الأمر الذي نراه دليلاً على أن طهران لا تقرأ الاتفاق بالطريقة التي يقرأه بها بعض المهوّلين والمحللين الذين ما زالوا، بحسب تعبيرنا ، أسرى الماضي والصراعات الطائفية والمذهبية. ونربط هذا الموقف الإيراني بفكرة إيرانية أقدم منذ انتصار الثورة الإسلامية، وهي دعوة دول المنطقة إلى إدارة شؤونها بنفسها، والتحرر من السيطرة والنفوذ الغربي، وإخراج المنطقة من منطق الوصاية الخارجية، وإدارة أمنها بما يحفظ السيادة والكرامة؛ ولذلك فإن قيام دول إقليمية ببناء ترتيبات أمنية فيما بينها لا يعني بالضرورة، في المنطق الإيراني الذي نستحضره ، أنها أقامت حلفاً ضد إيران، بل يمكن أن يكون جزءاً من التحول نفسه الذي دعت إليه طهران تاريخياً: أن تتولى شعوب ودول المنطقة أمنها بعيداً عن الهيمنة الأمريكية المباشرة.
ونضيف واقعة ثانية أكثر أهمية من البيانات السياسية: الاتفاق وُقّع بينما الحرب لا تزال جارية. وفي منطق الحروب، ، فإن أي اتفاق دفاع مشترك يفترض أن يبدأ اختباره من اللحظة التي يُوقّع فيها، خصوصاً إذا كانت إحدى الدول الموقعة موجودة بالفعل في قلب مسرح الصراع. والسعودية ليست دولة بعيدة عن الحرب؛ فهي تقع في بيئة متشابكة مع الحرب في اليمن ومع التوتر الإيراني، وبالتالي فإن أي هجوم كبير عليها يفترض أن يكشف فوراً طبيعة الالتزام الحقيقي للتحالف. وهنا نستعيد واقعة استهداف مواقع في العمق السعودي، والسؤال: إذا كان الاتفاق قد أنشئ فعلاً ليكون تحالفاً عسكرياً حربياً ضد إيران أو صنعاء، فلماذا لم يتحول فوراً إلى عمل عسكري جماعي؟ ولماذا لم تظهر ترجمة عسكرية مباشرة للاتفاق؟ بالنسبة لنا ، تكشف هذه الواقعة أن الاتفاق أقرب إلى آلية ردع وحماية وتساند سياسي وأمني منه إلى غرفة عمليات مشتركة أُنشئت لشن حرب. فالدول الثلاث، في تقديرنا، تعرف أن الدخول في حرب مفتوحة مع إيران أو مع صنعاء ليس أمراً بسيطاً، وأن قدراتها ومصالحها لا تسمح بتحويل الاتفاق تلقائياً إلى جبهة قتال.
ونضيف واقعة ثالثة نعتبرها حاسمة، وهي رد الفعل الإسرائيلي نفسه. فإذا كانت القراءة الشائعة تقول إن «تحالف مكة» تشكل ضد إيران، فإن السؤال الذي نطرحه هو: لماذا تبدو إسرائيل أكثر قلقاً منه؟ هنا تنقلب المعادلة. فإسرائيل، بحسب قراءتنا، كانت تراهن طوال السنوات الماضية على مشروع أمريكي يقوم على إدماجها في المنظومة الإقليمية، وعلى دفع الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية، باتجاه التطبيع واتفاقات إبراهام، وعلى تحويل إسرائيل إلى مركز لمنظومة الأمن الإقليمي الجديدة. وكان الرهان أن تصبح السعودية الدولة العربية الكبرى التي تقود هذا المسار. لكن المفاجأة، كما نقرأها أن السعودية التي كانت واشنطن تضغط عليها وتعدها بمسار التطبيع والحماية، راحت تبحث عن ترتيبات حماية متعددة الأطراف، وتبني لنفسها شبكة أمنية مع تركيا وباكستان. وهنا تكمن المفارقة: الاتفاق الذي يفترض، في قراءة البعض، أن يكون موجهاً ضد إيران، يمكن أن يكون في الواقع تطوراً يضعف الرهان الإسرائيلي على احتكار إسرائيل والولايات المتحدة للمنظومة الأمنية الإقليمية.
ومن هذه الزاوية نفسر القلق الإسرائيلي من «تحالف مكة». فالمشكلة الإسرائيلية ليست بالضرورة أن تركيا والسعودية وباكستان ستذهب غداً إلى الحرب ضد إسرائيل، وإنما أن الدول الإقليمية بدأت تبحث عن ترتيبات أمنية خاصة بها لا تمر حصراً عبر واشنطن وتل أبيب. وهذا تطور استراتيجي بالغ الأهمية.
*ترامب يطلب تعويضات من إيران: قلبٌ لمعادلة التفاوض أم ورقة ضغط قبل التسوية؟*
نضع مسألة مطالبة ترامب إيران بتعويضات في سياق الحرب والتفاوض، فالمفارقة التي نركز عليها أن إيران، وهي الدولة التي تعرضت خلال الحرب لضربات أمريكية وإسرائيلية واسعة وألحقت بها أضراراً مادية وبشرية كبيرة، دخلت مسار التفاوض وهي تطرح مسألة التعويض عن أضرار الحرب ضمن شروطها، قبل أن يخرج ترامب ليعلن بدوره أنه سيطالب إيران بالتعويض عن قتلى وجرحى وأضرار ينسبها إلى إيران وإلى القوى المرتبطة بها. وقد أكد ترامب أنه يريد إدراج التعويضات في أي مفاوضات مستقبلية مع طهران، رداً على المطالب الإيرانية بالتعويض عن أضرار الحرب.
وهنا تكمن، في قراءتنا، المفارقة السياسية الأساسية: ترامب لا يريد أن يدخل التفاوض من موقع الطرف الذي يتحمل مسؤولية الحرب ونتائجها، بل يحاول قلب الطاولة وتحويله إلى تفاوض بين طرفين يقدّم كل منهما مطالبه المالية والسياسية. فإذا كانت إيران تقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا منشآتها ومدنها وبنيتها التحتية، وبالتالي يجب أن تتحملا كلفة إعادة الإعمار والتعويض، فإن ترامب يرد بأن لإيران، من وجهة نظره، فاتورة أيضاً، وأن الولايات المتحدة ستطالبها بتعويضات عن قتلى وجرحى وأضرار مرتبطة بصراعات وهجمات ينسبها إليها أو إلى حلفائها. وهذا تحديداً ما يجعل المسألة جزءاً من حرب الرواية قبل أن تكون حرب الأرقام.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يرفع ترامب سقف المطالب. فالرئيس الأمريكي الذي بنى جزءاً كبيراً من استراتيجيته على فكرة امتلاك اليد العليا في التفاوض لا يريد أن يبدو وكأن إيران هي التي فرضت شروط التسوية. وعندما تطرح طهران التعويضات، يرد بالمثل، بل يحاول توسيعها لتشمل قتلى وجرحى وصراعات سابقة مرتبطة بإيران. وهذا يسمح له بأن يقول لجمهوره إن الولايات المتحدة لا تدخل التفاوض لدفع ثمن الحرب، وإنما تدخل لتحصيل ثمنها أيضاً. وبذلك يتحول «التعويض» إلى أداة سياسية لإدارة صورة الانتصار والخسارة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر إذا وضعناها إلى جانب تصريحات ترامب الأخيرة عن الخيارات الأمريكية تجاه إيران. ففي مقابلة حديثة قال إن أمام الولايات المتحدة خيار الضغط الاقتصادي حتى تفشل إيران اقتصادياً، أو توجيه ضربة شديدة إليها، نؤكدا أن واشنطن تملك أوراق ضغط كبيرة من بينها الأصول المجمدة والضغط الاقتصادي. وهذا يعني أن حديث التعويضات لا يأتي منفصلاً عن استراتيجية أوسع: العقوبات، الأصول المجمدة، مضيق هرمز، الضغط الاقتصادي، والتهديد العسكري كلها أوراق توضع على طاولة التفاوض في الوقت نفسه.
لكن المفارقة الأهم التي نلفت إليها هي أن إيران نفسها كانت قد رفعت سقف مطالبها. فطهران لا تدخل التفاوض من موقع طلب وقف إطلاق النار فقط، وإنما تريد مقابلاً سياسياً واقتصادياً للحرب. ولذلك فإن الرد الأمريكي بالتعويضات هو محاولة لسحب المبادرة من الجانب الإيراني ومنع تحول المطالب الإيرانية إلى نقطة البداية الوحيدة للتسوية. وبعبارة أخرى: عندما قالت إيران «نريد تعويضاً عن الأضرار»، أجاب ترامب عملياً: «وأنا أيضاً لدي فاتورة».
وفي الطرح ، فإن مجرد انتقال الحديث من «هل ستصمد إيران؟» إلى «كم ستدفع إيران وكم ستدفع أمريكا؟» يكشف تغيراً في طبيعة المشهد. فالدولة التي كان يُراد إخضاعها عسكرياً وإسقاط نظامها وتبديد أثر أمتها أصبحت تفاوض على كلفة الحرب وشروط إنهائها، والولايات المتحدة التي تقول إنها صاحبة اليد العليا تجد نفسها مضطرة إلى الرد على مطالب إيرانية بمطالب مقابلة. ولهذا فإن لغة التعويضات نفسها تصبح مؤشراً على أن المعركة دخلت مرحلة مساومة استراتيجية،تسبق مرحلة استسلام طرف وتسليم الطرف الآخر بشروطه.
🖊 ميخائيل عوض



