الأربعاء - 12 اغسطس 2026

العراق ليس ثلاث ساعات يا فيدان… فاحذروا غضب بلاد الرافدين..!

منذ 3 ساعات
الأربعاء - 12 اغسطس 2026

الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري ||

 

 

 

أيُّ غرورٍ هذا؟ وأيُّ عنجهيةٍ يمكن أن تدفع مسؤولاً في دولة جارة إلى التعامل مع العراق وكأنه فراغ جغرافي يمكن اقتحامه متى شاءت أنقرة، أو أرضاً بلا أهل ولا تاريخ ولا دولة ولا إرادة؟

لقد سمعنا خلال الأشهر الماضية تصريحات تركية تتحدث عن الوضع العراقي وعن الأراضي العراقية وعن قدرة الدولة العراقية على بسط سلطتها، بل وصل الأمر إلى أن بغداد استدعت السفير التركي احتجاجاً على تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان.؟
الجزيرة نت

أما الكلام المتداول عن أن تركيا تستطيع احتلال العراق خلال ثلاث ساعات والقضاء على الحشد الشعبي، فإن كان قد قيل فعلاً فليُعرض التسجيل الكامل ومصدره الرسمي، لأن العراق ليس بحاجة إلى إشاعات حتى يدافع عن كرامته؛ يكفيه أن يسمع نبرة الاستعلاء حتى يعرف من أين تأتي الريح.
يا سادة أنقرة…
العراق ليس سورية، وليس ساحة مفتوحة لمن يريد أن يجرب قدرته العسكرية.
العراق بلد آخر تماماً.
العراق الذي تقفون على حدوده اليوم هو نفسه العراق الذي خرج من رحم آلاف السنين، العراق الذي لم يبدأ تاريخه مع الجمهورية الحديثة، ولا مع حزب سياسي، ولا مع حكومة، ولا مع قوة عسكرية.
إنه العراق الذي قامت على أرضه واحدة من أقدم الحضارات المدينية في التاريخ، وفيه ظهرت الكتابة المسمارية، ونشأت المدن والدول الأولى، وتطورت الزراعة والري والتدجين وصناعة الخبز والحياة المنظمة. ومن هذه الأرض انطلقت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، وترك العراقيون الأوائل أثراً لا يستطيع أحد أن يمحوه من ذاكرة البشرية.
وهذا العراق نفسه عرف الإمبراطوريات الكبرى، وصنع الجيوش، وفتح البلدان، ووصل نفوذه في مراحل تاريخية إلى مساحات واسعة من العالم القديم.
فلا تقيسوا العراق بضعف حكوماته، ولا تقيسوا شعبه بتعبه، ولا تخلطوا بين صمت العراقي وبين عجزه.
فالعراق قد يكون مختلفاً في داخله، وقد تتنازع أبناءه السياسة والمصالح والاتجاهات، وقد يختلف العراقيون في كل شيء تقريباً، لكن هناك شيئاً واحداً أثبت التاريخ أنه يستطيع أن يجمعهم:
حين تصبح القضية قضية أرض وكرامة وسيادة، يتغير العراق.
أما الحديث عن القضاء على الحشد الشعبي وكأنه مجموعة أفراد يمكن محوها بقرار عسكري، فهو تجاهل لطبيعة المؤسسة التي تشكلت في ظروف الحرب على تنظيم داعش وأصبحت جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية وفق القانون العراقي.
والأخطر من ذلك أن من يفكر في العراق بمنطق «ساعات» و«احتلال» لا يفهم طبيعة الجغرافيا العراقية ولا طبيعة المجتمع العراقي ولا تعقيدات المنطقة.
ثم إن العراق ليس وحده في هذه المعادلة.
لقد صدرت في المقابل تصريحات إيرانية متداولة تتحدث عن أن الاعتداء على العراق سيُنظر إليه باعتباره اعتداءً على إيران، وأن الرد سيكون قاسياً. لكن علينا أيضاً أن نكون دقيقين في نقل هذه التصريحات وعدم تحويل المقاطع المتداولة إلى مواقف رسمية ما لم تثبت من مصادرها الأصلية. ؟
فيسبوك +١
وهنا يجب أن نفهم الرسالة الأوسع:
أي مغامرة عسكرية في العراق لن تبقى بالضرورة عراقية ـ تركية.
العراق يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح التركية والإيرانية والأمريكية والخليجية والدولية، وأي حرب عليه يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى أزمة إقليمية واسعة لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي.
ولهذا فإن من يعتقد أن بإمكانه إسقاط العراق أو إخضاعه بضربة خاطفة، إنما يرتكب خطأً استراتيجياً فادحاً.
أما ما يتردد عن وجود اتفاق تركي ـ سعودي لاستهداف العراق، أو دفع أطراف أخرى إلى مواجهة العراق، فهذا يحتاج إلى أدلة ووثائق واضحة، ولا يجوز أن نعامل الاستنتاج السياسي باعتباره حقيقة ثابتة.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو:
لماذا تتزايد الضغوط على العراق؟ ولماذا تتقاطع مصالح دول عديدة عند أرضه ومياهه ونفطه وموقعه الجغرافي ومستقبله السياسي؟
هنا تكمن القضية.
العراق ليس دولة هامشية.
العراق هو قلب المنطقة.
من يسيطر على العراق لا يملك بلداً نفطياً فقط، وإنما يقترب من التحكم في عقدة جغرافية تصل الخليج بإيران وتركيا والشام، وتربط الشرق بالغرب، وتجلس فوق واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم.
ولهذا أقول لكل من يتعامل مع العراق بعقلية الغزو:
لا تختبروا العراق.
ولا تظنوا أن خلافات العراقيين تعني أنهم سيقبلون بجندي أجنبي يطأ أرضهم.
فالعراقي قد يختلف مع أخيه، وقد يخاصم حكومته، وقد يثور على حزبه، وقد يرفض سياسات دولته، لكنه عندما يرى أرض العراق مهددة، فإن الحسابات تتغير.
وعندها لن يكون السؤال:
من مع هذا الحزب؟
ومن مع ذاك التيار؟
ومن مع هذه الطائفة؟
بل سيكون السؤال:
من يقف مع العراق؟
فالعراق الذي تتعاملون معه اليوم من خلال أرقام القوة العسكرية ليس العراق الذي ستواجهونه إذا انتفض شعبه.
العراق لا يُقاس بثلاث ساعات…
العراق يُقاس بآلاف السنين.
ولا تختبروا شعباً خرج من هذه الأرض التي علّمت الإنسان الكتابة والزراعة وبناء المدن والحياة المنظمة، ثم ظن بعضهم أن بإمكانه إسقاطه في ساعات.
العراقي قد يصبر طويلاً… لكنه إذا غضب، فلا تراهنوا على أنكم تعرفون إلى أين يمكن أن تصل غضبته.
ويبقى أقوى سلاح يمتلكه العراق قبل أي سلاح آخر:
أن يستعيد وحدته، ويبني دولته، ويضع سيادته فوق الجميع.
لأن العراق القوي لا يحتاج أن يهدد أحداً…
*يكفي أن يعرف الآخرون أن الاعتداء عليه ليس نزهة.*