الأربعاء - 12 اغسطس 2026

عندما تطالب أمريكا بالتعويضات.. من يعوض ضحايا حروبها؟!

الأربعاء - 12 اغسطس 2026

عامر جاسم العيداني ||

 

 

 

حين تتحدث الولايات المتحدة عن التعويضات يحق للعالم أن يتوقف قليلا ويسأل: هل نحن أمام مبدأ قانوني تريد واشنطن أن يطبق على الجميع أم أمام ورقة سياسية تستخدمها في صراعها مع خصومها؟

فالتصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن مطالبة إيران بالتعويض عن خسائر بشرية ومادية وطرح فكرة استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض دول تضررت من الهجمات تفتح بابا أوسع بكثير من الخلاف الأمريكي ـ الإيراني. إنها تعيد إلى الواجهة سؤال العدالة الدولية ومن يملك حق المطالبة بالتعويض ومن يملك حق رفضه.

إذا كانت قاعدة التعويض تقوم على تحميل الدولة مسؤولية الأضرار التي تتسبب بها فإن السؤال المنطقي هو: لماذا لا تطبق هذه القاعدة على الجميع؟

فالعالم لديه سجل طويل من الحروب والتدخلات العسكرية الأمريكية فالعراق وأفغانستان وفيتنام وليبيا وغيرها من الدول عاشت حروبا تركت وراءها آلاف الضحايا ودمارا واسعا وآثارا سياسية واقتصادية واجتماعية امتدت لسنوات. وفي العراق ما زالت ذاكرة الاحتلال وما رافقه من انتهاكات ومنها فضيحة سجن أبو غريب حاضرة في ذاكرة العراقيين.

فإذا كان الحديث عن التعويضات قد أصبح مشروعا فمن يعوض هؤلاء الضحايا؟

وفي الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن تجاهل الرواية الإيرانية التي تتحدث عن سقوط مدنيين وتدمير منشآت ومدن داخل الأراضي الإيرانية نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وتبرز هنا مأساة مدرسة ميناب التي أثارت اتهامات خطيرة بشأن مسؤولية ضربة أمريكية عن سقوط ضحايا من المدنيين والأطفال.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا : إذا كانت واشنطن تطالب بتعويضات عن ضحاياها ألا ينبغي أن يخضع الطرف الذي تسبب بقتل المدنيين أيا كان للمساءلة والتعويض أيضا؟

إن القضية ليست دفاعا عن إيران ولا تعني أن طهران فوق القانون فإذا ثبت أن إيران أو أي جهة تابعة لها ارتكبت انتهاكات ضد المدنيين فيجب أن تكون هناك محاسبة، لكن المبدأ نفسه يجب أن يطبق على الولايات المتحدة وإسرائيل وسائر الدول.

فالعدالة لا يمكن أن تكون انتقائية والقانون الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز للدول الكبرى وسيف مسلط على الدول الأضعف.

أما الأموال الإيرانية المجمدة فإن تحويلها إلى وسيلة لتعويض دول أخرى يجب ألا يتم بقرار سياسي منفرد بل وفق قواعد قانونية واضحة واتفاقات أو أحكام قضائية معترف بها. فالأموال المجمدة ليست غنائم حرب ولا يجوز أن تصبح الحرب طريقا للاستيلاء على أموال الشعوب.

إن العالم اليوم بحاجة إلى قاعدة بسيطة: لا أحد فوق القانون ولا دولة فوق المساءلة.

وإذا كانت واشنطن تريد فتح ملف التعويضات فليكن الملف شاملا ولتجلس جميع الدول أمام ميزان واحد،ط بعيدا عن القوة والنفوذ والتحالفات فلا قيمة للعدالة إذا كان دم الضحية في دولة كبرى أغلى من دم الضحية في دولة صغيرة.

والسؤال الذي سيبقى مطروحا هو: إذا كانت أمريكا تطالب إيران بالتعويض فمن يعوض شعوب العراق وأفغانستان وفيتنام وليبيا وغيرها عن الحروب والدمار الذي أصابها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي الاختبار الحقيقي لصدق الحديث عن العدالة الدولية.