الخميس - 13 اغسطس 2026

شمس غابت وأمة تاهت… في ذكرى رحيل النبي الأعظم (ص) وبناء الدولة التي غيرت وجه التاريخ..!

منذ 8 ساعات
الخميس - 13 اغسطس 2026

المهندس يونس الكعبي ||
12 آب 2026

 

 

 

في الثامن والعشرين من شهر صفر ، يقف التاريخ مشدوهاََ أمام ذكرى رحيل أعظم شخصية غيرت وجه الأنسانية ، النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) . لم يكن رحيله مجرد غياب لزعيم أو مصلح ، بل كان زلزالاََ حضارياََ وأنسانياََ ألقى بضلاله على مسار الأمة والعالم أجمع.

في هذا اليوم ، لا نستذكر مجرد حدث تاريخي ، بل نستحضر تجربة فريدة في بناء الأنسان والدولة ، ونستقريء جراح أمة كانت بالأمس محور العالم واليوم تبحث عن مكانتها بين الأمم.

لم تكن شخصية الرسول (ص) مجرد قيادة روحية معزولة عن واقع الحياة ، بل تجسدت فيه عبقرية سياسية وأدارية أستثنائية أستطاعت في سنوات معدودة تحويل قبائل متناحرة في صحراء جافة إلى أمة واحدة تمتلك أركان دولة مهابة الجانب. أرست وثيقة المدينة المنورة أول دستور مدني يحمي الحقوق ويكفل حرية الأعتقاد والتكافل الأجتماعي ، متجاوزة العصبية القبلية والمناطقية لصالح مفهوم المواطنة والعدالة المطلقة.

لقد أدخل النبي محمد (ص) مفهوماََ جديداََ للسياسة ، قائماََ على السمو الأخلاقي ، ورعاية مصالح الرعية ، والشورى ، والوفاء بالعهود. وبفضل هذه الرؤية الجامعة والسياسة الرشيدة ، تحولت الدولة الوليدة إلى قوة أقليمية ضاربة ، أعدت القواعد لقيام الدولة الأسلامية الكبرى التي امتدّت من الصين إلى أسبانيا ، وخضعت لهذه الدولة عروش الشرق والغرب من الفارسية والبيزنطية وباقي الممالك والدول ، لا بقوة السيف فقط ، بل بأسس العدالة والحرية والكرامة التي حملتها الرسالة الأسلامية.

لقد كان رحيل النبي محمد (ص) أنقطاعاََ للوحي وشعوراََ باليتم أصاب الأمة بعد أن فقدت قائدها وسر وحدتها وقوتها ، لم يكن هذا الفقد هيناََ على الأمة الأسلامية ؛ إذ شكل ذلك الأختبار الأول للأمة في تماسكها ومدى قدرتها على الأستمرار بنفس الروحية والحاضنة التي ألفت بين قلوب المسلمين بلا تمايز ولا فوارق طبقية. ومع مرور الوقت ، بدأت التباينات السياسية والأجتماعية تطفو على السطح ، لتتحول الأنقسامات الأولى إلى جروح غائرة في جسد الأمة ، ومثل غياب القائد ضياع المحور الجامع وبداية التصدع في جسد الأمة.

أذا ما تأملنا واقع الأمة الأسلامية بعد رحيل نبيها وباني دولتها ومجتمعها الجديد ، وأستعرضنا مسارها عبر القرون ، نجد أن تحولها من محور للعالم أجمع ومركز الحضارة الأنسانية ومصدر أشعاعها إلى التشتت والضياع بين الأمم يرتبط بعوامل جوهرية متعددة ، فقد تغلب الصراع السياسي على القيم الأخلاقية التي نادى بها الدين الأسلامي الحنيف ، فاصبحت السلطة والمصالح الفئوية مقدمة على قيم العدالة والتآخي التي أرسى دعائمها النبي محمد (ص) ، حيث دب الخلاف والشقاق الداخلي وتفرقت الكلمة.
وتوالت الأنحرافات عن روح الرسالة والعدالة بين المجتمع ، فغياب الشورى الحقيقية وأنتشار الأستبداد والطبقية أضعف أنتماء الأفراد لدولتهم وجعل الأمة فريسة سهلة للأنهيارات الداخلية والأطماع الخارجية.

كما شهدت مراحل ما بعد رحيل النبي (ص) جموداََ فكرياََ والتخلي عن العلم ومحاربة علماء الأمة ، فبعد أن كانت الحضارة الأسلامية منارة للعلوم والأبتكار ، أدى أغلاق باب الأجتهاد والركون إلى التبعية والسطحية إلى تراجع الأمة حضارياََ وفكرياََ أمام النهضة الغربية. وشهدت هذه المرحلة الأرتهان للخارج والعصبية المفرطة ، وعودة العصبيات المذهبية والقومية التي حاربها الرسول (ص) وأستبدال رابطة الأخوة والتكامل الأنساني بالنزعات الضيقة.

أن الذكرى السنوية لرحيل النبي الأعظم (ص) ليست مجرد مناسبة لأظهار الحزن والأسى ، بل هي محطة للمراجعة والتقويم. أن النهوض من جديد يستلزم العودة الجادة إلى المبادئ السامية التي وضعها هذا النبي العظيم: العدل ، العلم ، كرامة الأنسان ، ووحدة الكلمة. لن تجد الأمة طريقها إلى السيادة من جديد إلا أذا أستلهمت من مسيرة بنائها الأولى التي أسس لها التبي (ص) كيف تكون أمة تؤثر في العالم بأخلاقها وعلمها وعدالتها ، لا بفرقتها وضياعها.