كيف يُتخذ القرار السياسي داخل الطائفة الشيعية في العراق؟!
المهندس عبد الجبار الجزائري ||

ليس هناك في العراق اليوم مركز واحد يمكن القول إنه يمسك بالقرار السياسي الشيعي، ولا توجد مؤسسة رسمية أو هيئة جامعة تتحدث باسم جميع القوى والشخصيات الشيعية. فالقرار يتشكل من تداخل مجموعة من المراكز الدينية والسياسية والاجتماعية والأمنية، وتختلف قوة كل مركز بحسب طبيعة القضية المطروحة والظرف السياسي.
تأتي المرجعية الدينية في مقدمة مصادر الشرعية المعنوية والاجتماعية. وهي لا تتعامل عادةً مع السياسة بمنطق الحزب أو السلطة التنفيذية، ولا تتدخل في كل تفصيل سياسي، لكنها تستطيع، عندما تتدخل، أن تؤثر بصورة عميقة في اتجاهات المجتمع وفي القضايا المصيرية، مثل شكل الدولة والانتخابات والسلم الأهلي ومحاربة الفساد وحماية النظام العام.
وفي المقابل، تمتلك الأحزاب والقوى السياسية الشيعية الجزء الأكبر من أدوات القرار داخل مؤسسات الدولة؛ فهي موجودة في البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة، وتملك القدرة على تشكيل التحالفات واختيار الرئاسات وتحديد اتجاهات التشريع والسياسة التنفيذية. إلا أن هذه القوى ليست كتلة واحدة، بل تختلف في رؤيتها ومصالحها وعلاقاتها وتحالفاتها.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات القرار السياسي الشيعي: التعدد من دون وجود آلية مؤسسية دائمة لإدارة هذا التعدد.
فقد تتفق القوى الشيعية في قضية، وتختلف في قضية أخرى، وقد يتحول التنافس السياسي بينها إلى صراع على المواقع والنفوذ، بدلاً من أن يكون تنافساً داخل مشروع سياسي واضح.
أما الفصائل والقوى المسلحة، فقد أصبحت جزءاً من معادلة القوة السياسية والأمنية في العراق. وبعض هذه القوى يمتلك حضوراً سياسياً إلى جانب حضوره الأمني، الأمر الذي يجعل من الصعب فهم عملية صناعة القرار بمعزل عن موازين القوة الموجودة خارج المؤسسات السياسية التقليدية.
ولا يمكن كذلك تجاهل إيران في قراءة المشهد. فالعلاقات الدينية والتاريخية والسياسية والاقتصادية بين إيران والقوى الشيعية العراقية عميقة، ولها تأثير واضح في بعض الملفات. لكن القرار الشيعي العراقي لم يكن متطابقا دوما مع الرؤية الايرانية
فهو يختلف في حالات عديدة
فالقوى الشيعية العراقية متعددة، ولها مصالحها وحساباتها العراقية، وقد تختلف حتى فيما بينها في كيفية التعامل مع طهران ومع الملفات الإقليمية.
إلى جانب هذه المراكز، هناك الحوزة والنخب الدينية والثقافية والأكاديمية والعشائر والشخصيات الاجتماعية والإعلامية، وهي وإن لم تكن صاحبة قرار مباشر، فإنها تشارك في تشكيل الرأي العام والبيئة التي يتحرك داخلها القرار السياسي.
وهكذا نجد أن القرار الشيعي في العراق لا يصدر من غرفة واحدة، وإنما يتشكل غالباً عبر توازنات وتفاهمات ومفاوضات بين غرف متعددة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالقوة السياسية الكبيرة تحتاج إلى رؤية استراتيجية موازية لها.
وإذا كانت القوى تمتلك القدرة على الوصول إلى السلطة، لكنها لا تمتلك آلية دائمة للتفكير في مستقبل الدولة، فإن القرار سيبقى رهينة للظرف السياسي، وللانتخابات، وللأزمات، وللتنافس بين القيادات.
من التعدد إلى المؤسسية
الحاجة اليوم ليست إلى إنشاء قيادة سياسية فوق الجميع، ولا إلى تحويل المرجعية الدينية إلى مؤسسة حزبية، وإنما إلى إنشاء مطبخ قرار استراتيجي تشاوري يجمع أصحاب الخبرة والتأثير.
مطبخ لا يصدر أوامر، وإنما يقرأ الواقع ويضع البدائل ويستشرف المخاطر.
يمكن أن يضم ممثلين عن القوى السياسية، وشخصيات دينية عند الحاجة، ونخباً أكاديمية واقتصادية وأمنية، وشخصيات اجتماعية ووطنية، بحيث تُناقش فيه الملفات الكبرى قبل أن تتحول إلى أزمات.
فالعراق يحتاج إلى رؤية واضحة في الاقتصاد، والعملة، والنفط، والأمن، والسلاح، والعلاقات الإقليمية والدولية، والانتخابات، ومكافحة الفساد، والإدارة، والتعليم، والثقافة، وحماية الهوية.
والأهم أن يكون هذا المطبخ قادراً على التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير؛ فالثوابت لا ينبغي أن تخضع للمساومة السياسية اليومية، أما المتغيرات السياسية فيمكن التعامل معها بمرونة وبراغماتية.
إن المشكلة ليست أن الشيعة في العراق يفتقرون إلى القيادات أو القوى أو الكفاءات، بل إن المشكلة أن هذه الطاقات مبعثرة بين مراكز متعددة، ولا يجمعها دائماً إطار مؤسسي يفكر للمستقبل.
ولهذا فإن الانتقال من “قرار اللحظة” إلى “قرار المؤسسة”، ومن رد الفعل إلى صناعة الفعل، ومن تفاهمات الأفراد إلى بناء رؤية استراتيجية، قد يكون من أهم التحولات التي يحتاجها العمل السياسي الشيعي في العراق.
فالطائفة التي تمتلك حضوراً كبيراً في الدولة تحتاج، بالقدر نفسه، إلى مطبخ تفكير كبير يسبق القرار، لا إلى غرفة تفاوض صغيرة لا تتحرك إلا عندما تقع الأزمة.




