الاثنين - 27 يوليو 2026

هل يتبددّ الحلم الأمريكي على يد إدارة ترامب؟!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 27 يوليو 2026

إيهاب شوقي / مصر

 

 

 

كما أن للأفراد طباع ونفوس ومنظومات أخلاقية تتأثر سلبًا وإيجابًا بمنظومة القيم، فإن للدول والقوى العظمى والإمبراطوريات طباع وسلوك ومسارات تتأثر بنخبها وحكامها والمنظومات الدولية والجيوسياسية، ما يجعل للدولة أو القوة أو الإمبراطورية رحلة مشابهة للرحلة البشرية في الصعود والهبوط والتعاطي الأخلاقي أو البرغماتي، ومصائر تحكمها القوانين والسنن ذاتها التي تحكم الفرد، وتحدد مصيره.

لذلك؛ جاء تشابه صعود الإمبراطوريات وسقوطها، واستطاع المؤرخون بتتبع التجارب التاريخية استخلاص القواعد التي تشكل مصائر القوى الكبرى، وقدمت استخلاصاتهم على هيئة دروس مستفادة وعبر. لكن تحول نزعات الهيمنة من دون الإفادة والاعتبار، ما يزال التاريخ في دوراته يقدم نماذج جديدة تمثل مصاديق لاستخلاصات المراقبين والمدققين.

لعل الصيغ والمصطلحات تتفاوت وفقًا لتغير العصور؛ ولكن تبقى السياسات ثابتة، وتبقى الأخطاء مشتركة، وربما يمثل كتاب “صعود وسقوط القوى العظمى” للمؤرخ البريطاني بول كينيدي نموذجًا للرصد الحديث والعصري لهذه النواميس. لقد قدم كينيدي استخلاصًا من أدق الاستخلاصات؛ حينما رصد أن القوى العظمى حين تتوسع عسكريًا وسياسيًا، بشكل يفوق قدرتها الاقتصادية، تبدأ بالإنهاك ثم التراجع.

عندما تزداد تكاليف الحفاظ على النفوذ، بشكل يفوق نمو البلاد الاقتصادي، تكون النتيجة استنزاف موارد الدولة، وبدلًا من استثمار الأموال في تحسين البنية التحتية، أو تطوير التعليم، أو البحث العلمي، تذهب هذه الأموال لتمويل الإنفاق العسكري. هذا ما يُضعف الدولة من الداخل، ويجعلها أقل قدرة على مواكبة صعود قوى منافسة جديدة تستثمر مواردها في النمو الاقتصادي، وفي النهاية، يؤدي هذا المسار إلى تراجع قوة الدولة العظمى، وربما سقوطها.

المراقب، حاليًا، للإمبراطورية الأمريكية، والتي ينطبق عليها الوصف الإمبراطوري في النفوذ والهيمنة، لا بمعنى الاحتلال الاستيطاني على الأرض الذي ميز الإمبراطوريات التقليدية، فإننا نلمح شواهد عملية وعلمية على تراجعها ودخولها الفعلي في مسار الهبوط. وهنا، لا نقول إن هذا الهبوط قد يكون سريعًا أو مفاجئا، لكن لا نستطيع القول أيضًا إنه قد يمتد لعقود، لأن المدى الزمني يتوقف على التعاطي الأمريكي مع التراجع، وهل تتعاطي معه بالتدارك أم بالغطرسة والمكابرة، وهل تعالج الأمر بهدوء وحكمة، أم بانفعال وعصبية؟

بناء على ذلك؛ السلوك الأمريكي هو المتحكم في مسار الهبوط ومداه الزمني بقدرٍ ربما يفوق تحركات القوى الطموحة لاعتلاء العرش الأمريكي. والمراقب لإدارة ترامب وسلوكها وهو كغيرها من الإدارات، سلوك تحكمه نخب ومصالح ومجموعات ضغط، يرى أن هنك تعجيلاُ بالسقوط الأمريكي بممعدلات تفوق أشواط ضحايا أميركا وأعدائها ومنافسيها.

إذ لطالما كانت الهيمنة الأمريكية مدعومة بثلاث ركائز رئيسة، هي القوة الاقتصادية والجبروت العسكري والقوة الناعمة. وهي أعمدة يبدو أن ترامب يهشمها، على الرغم من ادعاءاته وسيل تصريحاته؛ بأنه يستعيد المجد العسكري والاقتصادي والنموذج القدوة لشعوب العالم.. وربما كانت مبالغات ترامب في هذه الدعايات تمثل انعكاسًا للخطر الذي تستشعره أميركا بشأن هذه الركائز التي تخلخلت بسبب ممارسات إدارة ترامب بمعدلات متسارعة.
الحلم الأمريكي
من أكثر العوامل التي مكّنت أميركا من الهيمنة، كان مفهوم الحلم الأمريكي، حيث كان تمثال الحرية الوجهة الأولى لكثير من المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه يمثل الاستقلال والحرية الشخصية. وقد قام جيمس تراسلو أدامز، في العام 1931، بالتنظير لهذا المفهوم ووصفه بالقدرة على تحقيق حياة أفضل وأكثر ثراء وسعادة.

كما جاءت فكرة الحلم الأميركي مرسخة، في الجملة الثانية من إعلان الاستقلال، والتي تنص على أن: “كل الناس قد خلقوا متساوين؛ ولهم بعض الحقوق غير القابلة للتغيير، والتي تضم حق الحياة والحرية والسعي وراء تحقيق السعادة”.

هذا المفهوم رسخ في أذهان العالم أن أميركا هي الأرض التي تعتمد فيها فرص الإنسان في الحياة على الموهبة والطاقة، وليس على العائلة أو الثروة أو الاعتقادات السياسية. هذا ما جلب المهاجرين والعلماء والمواهب، وأسهم في التقدم والتفوق الاقتصادي والتكنولوجي والقوة الناعمة، على الرغم من الحقيقة التي عُتّم عليها في هيكل السلطة والاقتصاد والمصالح التي تخدم النخب؛ على الرغم من المظالم العرقية والتفرقة العنصرية والممارسات الاستعمارية الأمريكية في الخارج وجرائم الحرب ورعاية المستبدين وتصفية المقاومين والشرفاء.

الاستفاقة من الحلم الأمريكي
استفاق الكثيرون من هذا الوهم، بعد بروز مؤشرات دامغة على كذب هذا الحلم. على سبيل المثال، تزايدت المخاوف داخل الأوساط العلمية الأمريكية من اتساع موجة هجرة الباحثين والعلماء إلى الخارج، في ظل سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتعلقة بخفض تمويل البحث العلمي وتشديد القيود على المهاجرين، وهذا ما يراه خبراء تهديدًا للمكانة التاريخية للولايات المتحدة، كونها وجهة أولى للكفاءات العلمية.

كما أسهمت القيود المفروضة على التأشيرات والتشدد، في ملفات الأمن القومي، في تراجع إقبال الباحثين الأجانب، مع فرض قيود على التعاون العلمي مع مؤسسات في دول تصنفها واشنطن بأنها “مثيرة للقلق”، وفي مقدمتها الصين، الأمر الذي أدى إلى ملاحقات أمنية طالت عشرات العلماء، بينهم 119 باحثًا فقدوا مناصبهم بسبب شبهات تتعلق بعلاقات سابقة مع مؤسسات خارج الولايات المتحدة.

كما أظهر استطلاع رأي، أُجرته مؤسسة تحالف الديمقراطيات في نيسان/ أبريل 2024، أن الانطباعات العالمية عن الولايات المتحدة شهدت تراجعًا كبيرًا. لقد أصبحت النظرة إليها أسوأ من تلك الموجهة إلى الصين، وأرجع رئيس المؤسسة ذلك إلى السياسات التي اتبعها ترامب، والتي أدت بنظره إلى تآكل صورة بلاده في العالم.

قلق الخبراء الأمريكيين
يتفق العديد، من الخبراء والأكاديميين الأمريكيين، على أن قوة الولايات المتحدة تشهد تراجعًا نسبيًا، ويبرز ذلك في تراجع الاستقطاب السياسي الداخلي وتراجع القوة الناعمة وصعود قوى منافسة مثل الصين. كما أشار مفكرون، مثل فرانسيس فوكوياما، إلى أن الانقسام السياسي الداخلي والسياسات المتبعة قد أضعفا موقف واشنطن وجعلها تبدو أقل تماسكًا.

كما حذر خبراء، مثل توماس كاروثرز، من أن التراجع الديمقراطي داخل المؤسسات الأمريكية يقلل من هيبة الدولة وقوتها الشاملة. وقارن بعض المؤرخين، مثل هارولد جيمس، بين الأوضاع الأمريكية الحالية وأواخر أيام الاتحاد السوفياتي السابق بسبب الصراعات الاجتماعية والتدهور الاقتصادي. وأقر خبراء، مثل جوزيف ناي، بضعف جاذبية النموذج الثقافي والقيمي الأمريكي في العالم.

كما لفت اقتصاديون، مثل جيفري ساكس، إلى انخفاض حصة الولايات المتحدة تدريجيًا من الدخل العالمي لمصلحة قوى صاعدة جديدة.. كذلك يرى محللون عسكريون أن تضخم الالتزامات الدولية للجيش الأمريكي يجعل خوض صراعات كبرى متزامنة أمرًا بالغ الصعوبة مقارنة بعقود الهيمنة المطلقة.

مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم وسياساته، والتي بدت وكأنها تسعى إلى هدم الإرث المتراكم عبر عقود في وقت قصير، وصف خبراء أمريكيون مسار ترامب بأنه مسار يقود البلاد نحو “الانهيار العظيم”.

مما لا شك فيه أن لغة الأرقام ما تزال في مصلحة التفوق الأمريكي، لكن هذه اللغة أيضا تفيد باقتراب القوى الصاعدة وتقلص الفجوة، بشكل حاد ومعدلات مخيفة، تصل إلى تفوق الصين مثلاً في بعض المجالات.

كما مما لا شك فيه أن الجبروت والغطرسة ومحاولة فرض “إسرائيل الكبرى” على منطقة فيها مقاومة حية ومحور للمقاومة تقوده دولة إقليمية وازنة ومقتدرة وصلبة مثل إيران، هو من مصاديق زيادة الكلفة بما يفوق الإمكانات الاقتصادية والعسكرية التي وصفها بول كينيدي.

كما مما لا شك فيه أن تراجع الهيبة وافتقاد العالم للثقة والاحترام للنموذج الأمريكي، هي كلها عوامل تعجل بتراجع لغة الأرقام والوصول العلمي والعملي إلى السقوط المرتقب، والذي تقوم إدارة مثل إدارة ترامب بتسريعه.

🖊 ايهاب شوقي