العراق الجديد بين فساد المُستثْمِر وتسلط المُستعمِر..!
باقر الجبوري ||

بعد (23) من سقوط الصنم وهيمنة الاحزاب الفاسدة بكل أطيافها على الساحة العراقية لم يَعُد الفساد مجرد خطأ إداري أو سرقة جارية تحت الطاولة بل تحول إلى نظام حكم متكامل تديره تلك الطبقة السياسية التي سلبت الدولة كل موارها ومقدراتها بحجة الاستثمارات.
نعم .. إنها الطبقة التي اعتلت منصات البرلمان واستولت على الحقائب الوزارية ومناصب الوكلاء والمحافظين. فأصبحت لا ترى في الدولة إلا بؤرة لجني الأرباح وتقاسم الغنائم عبر شبكة تعتيم وتواطؤ متبادل حيث يُغطي الفاسد على الفاسد لأنه من نفس الحزب أو من نفس الطائفة أو من الأقارب أو شريك في كعكة الصفقات.
اليوم وصلت الجراءة للتفكير لدى بعض المستشارين إلى اقتراح تسليم جباية الضريبة والخدمات للقطاع الخاص بمعنى للمستثمر!!!
والأسئلة الشارعة تفرض نفسها هنا:
* لماذا أصبحت القطاعات الربحية حكراً على الشركات الاستثمارية الطفيلية؟
* كيف يُستبعد عشرات الآلاف من الموظفين والشباب الذين يعانون من البطالة المقنعة داخل نفس تلك الوزارات؟
أليس من الأولى والأجدى اقتصادياً ووطنياً تشكيل شركات وطنية تعتمد بالكامل على كوادر الوزارات لتنفيذ هذه المهام بدلاً من إهدار أموال الشعب على الشركات الناهبة.
فبدلاً من منح عقود الجباية في قطاع الكهرباء لشركات استثمارية أهلية تأخذ نسباً خيالية من أموال المواطنين وتزيد كاهلهم كان بالإمكان تأسيس مديريات جباية رقمية كفوءة يُديرها آلاف الموظفين المعطلين داخل وزارة الكهرباء لتذهب الموارد مباشرة إلى خزينة الدولة.
وكذلك في قطاع النفط والغاز (استخراج الغاز المصاحب):
فبدلاً من تسليم عقود استخراج وتصفية الغاز المصاحب لشركات أجنبية تكلف الدولة ملايين الدولارات يمكن تشكيل الشركة الوطنية للغاز بجهود وإشراف مهندسي وفنيي شركة النفط الوطنية للسيطرة على ثروات البلد والحد من التبعية للخارج.
وكذلك في وزارة الداخلية التي اخذ منها المستثمرون كل المشاريع التي كان بالامكان أن تدر مئات المليارات من الدنانير لخزينة الدولة.
وكذلك الحال في قطاع الصحة (إدارة مراكز الأشعة والمستشفيات) فبدلاً من إحالة إدارة المستشفيات الحديثة ومراكز التحليلات والأشعة لشركات استثمارية تفرض أسعاراً باهظة على المرضى كان بالامكان تفعيل الموارد البشرية المعطلة من أطباء وتقنيين وإداريين في وزارة الصحة لإدارتها بكفاءة وتقليل التكلفة على الطبقات الفقيرة.
ليست نكته ان تسمع ان مجرد طباعة قائمة الكهرباء لكل مواطن تكلف ثلاثة الاف دينار تستقطع للمستثمر مع وجود عشرات الالاف الموظفين العاطلين في الوزارة نفسها.
سيادة مُصادرة وإرادة مكبلة
نتاسف ان يصل بنا الحال الى أن نرى المسؤول العراقي أمام المحافل الدولية وبدلاً من أن يسعى لبناء مؤسسات الدولة نراه يعرض ثروات البلد الوطنية كـ(ـالغاز) على الآخرين بدعوة (تعالوا استثمروا ونحن نشتري منكم). وهذا هو المعنى الواقعي لغياب الدولة القوية الحرة.
المصيبة أن هؤلاء الفاسدين في الحكومة والاحزاب ونتيجة فسادهم وفساد أذرعتهم المفضوح في الدولة أصبح العراق رهينة للارادات السياسية الخارجية التي تهدد بكشف ملفاتهم وملاحقتهم والتعامل معهم بنفس الطريقة التي تم التعامل بها مع الرئيس الفنزويلي.
العِبرة والنهاية المحتومة:
الفساد ومهما تفرع وتجذر وارتدى عباءة الاستثمار فإنه لن يدوم إلى الأبد. وإن استمرار المحاصصة المقيتة والمحسوبية وغياب المهنية وتمكين المفسد على ذوي الكفاءات ليس إلا استنزافاً صريحاً لصبْر الشارع والتاريخ يتكلم بلغة واحدة (( الظلم الممنهج وسرقة قوت الشعوب والكتاتورية ليس لهما إلا نتيجة واحدة وهي الانفجار الشعبي لا محالة)).
وهذا التراكم السلبي سيقود حتماً إلى ثورة شعبية وانفجار مجتمعي بوجه الفساد الحكومي والحزبي الذي ينخر بجسد الدولة. وحينها لن تنفع الفاسدين احزابهم ولا مناصبهم ولا شركاتهم الاستثمارية فإرادة الشعوب هي الجدار الصلب الذي تتهاوى أمامه كل عروش الفساد والاستبداد.
اللهم إني بلغت ..
تحياتي .. باقر الجبوري


