مسرحية الهرب الاستراتيجي: كيف أطاحت معادلة صنعاء بـ«كبرياء الرياض»؟
نبيل الجمل ||

تعد التحولات الأخيرة في المشهد الإقليمي نموذجاً صريحاً لانقلاب السحر على الساحر، حيث تجد القيادة السعودية نفسها اليوم محاصرة بين متطلبات الخروج السريع من الفخ اليمني وبين الخضوع القسري للشروط الاستراتيجية التي فرضتها صنعاء. إن محاولة الرياض الأخيرة بالتنصل من مسؤوليتها عن الحصار الاقتصادي وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية، وإلقاء اللائمة على الأدوات المحلية وحكومة عدن، لا تعبر إلا عن حالة إفلاس سياسي ومحاولة مكشوفة للفرار من تبعات المعادلة الميدانية الجديدة.
شكلت معادلة “المطار بالمطار، والميناء بالميناء، والحصار بالحصار” تحولاً مفصلياً في إدارة الصراع؛ إذ لم تعد صنعاء تكتفي بالدفاع أو امتصاص الصدمات الاقتصادية، بل انتقلت إلى نقل التهديد المباشر والمباشر جداً إلى الشرايين الحيوية للرئة الاقتصادية السعودية. إن إدراك الرياض بأن مطاراتها وموانئها الاستراتيجية أصبحت في مرمى النيران المباشرة للمُسيّرات والصواريخ اليمنية هو ما دفع الخطاب السعودي للتحول المفاجئ من نبرة “العاصفة” والهيمنة إلى نبرة التملص وادعاء لعب دور “الوسيط النزيه”.
هذا التراجع التكتيكي المغلّف بذرائع سيادية واهية ينطوي على مغالطة تاريخية وجغرافية لا تنخدع بها صنعاء. فالعالم بأسره يعلم أن القرار السياسي والعسكري والإشراف المباشر على الحظر الجوي والتفتيش البحري طيلة السنوات الماضية كان قراراً سعودياً بامتياز. وبالتالي، فإن محاولة التخفي خلف الشماعات المحلية ليست سوى هروب إلى الأمام ومحاولة لتجنب دفع استحقاقات السلام والانسحاب الكامل.
إن النظام السعودي اليوم أمام واقع استراتيجي جديد لا يرحم المناورات السياسية؛ فصنعاء حسمت أمرها وأكدت أنها لا تتفاوض مع الصدى ولا تعترف بالواجهات الهشة، بل تفرض معادلتها مباشرة على صانع القرار في الرياض. وإن أي محاولة للمماطلة في فك الحصار الكامل، وصرف المرتبات، وفتح كافة المطارات والموانئ اليمنية، لن تعني سوى الذهاب إلى حصار مضاد يُشلّ الحركة الاقتصادية والملاحية في العمق السعودي، ليثبت للجميع أن يد الردع اليمني هي الأعلى والأقدر على فرض الشروط.


