هندسة الذرائع: التاريخ الموازي وصناعة الحدث الأمني لشرعنة التصفية والكسب السياسي(صهريج التنف نموذجاً)..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

في دهاليز السياسة، غالباً ما يتم التلاعب بالتاريخ والحاضر عبر سرديات مُصنعة. إن الفرق بين التاريخ الواقعي والرواية الرسمية يكمن في الفجوة بين الحقيقة والمصلحة؛ حيث تُستخدم الأحداث الأمنية سواء كانت حقيقية، أو مبالغاً فيها، أو مفبركة بالكامل كأدوات استراتيجية لتبرير تصفية الخصوم وفرض الأجندات السياسية.
أولاً: حادثة الدجيل (1982)
تكشف الرواية الرسمية لحقبة النظام السابق حول حادثة الدجيل عن تكتيك دعائي كلاسيكي؛ حيث اختُرعت رواية زعمت أن امرأة قامت بـ “وسم” سيارة صدام حسين بدم ذبيحة لتسهيل استهدافها. وُظفت هذه السردية الأسطورية لتحويل فعل الاغتيال إلى قصة غامضة تُبرر “الرد الإلهي” أو “القدر المحتوم” ضد الخصوم.
في المقابل، تؤكد الحقائق التاريخية أن مجزرة الدجيل لم تكن رد فعل أمني، بل كانت عملية هندسة اجتماعية وعقابية استهدفت التغيير الديموغرافي وإنهاء الوجود الشيعي المعارض في محافظة صلاح الدين، وتوجيه رسالة ترهيب جماعية لكل عراقي. تجلى ذلك في إعدام 148 رجلاً، وتصفية أطفال بعد سنوات من الحادثة عند بلوغهم سن الرشد، مما يثبت أن الهدف كان استئصالياً لا قضائياً.
ثانياً: صهريج التنف
تتشابه التقنيات المستخدمة في حادثة “صهريج الأسلحة” عند منفذ التنف 2026 مع تكتيكات الماضي. فالسردية التي روّج لها الجانب السوري حول تهريب أسلحة لحزب الله عبر العراق تواجه تشكيكاً واقعياً مبنياً على قرائن ميدانية:
العلامة البصرية:وجود “لطخة صبغ” أو علامة مميزة على جانب الصهريج، تبدو كإشارة ضبط إعلامي مقصودة لتسهيل الرصد، بدلاً من كونها إجراءً أمنياً عشوائياً.
الفضيحة التقنية: غياب لوحات تسجيل الشاحنة، حجب هوية السائق، وعدم مطابقة تصميم الصهريج للمواصفات العراقية المعتادة، كلها تشير إلى أن الشحنة “مُدبرة” ومُصممة لغرض سياسي.
الهدف الاستراتيجي:تُستخدم هذه المسرحية كذريعة مادية لتبرير عمليات عسكرية أو فرض ضغوط دولية على المسارات البرية، وهو ما يتقاطع مع تصريحات تلمح لدور سوري في تصفية خصوم إقليميين لامريكا واسرائيل .
ثالثاً: صناعةالاغتيالات واستثمارها ضد الخصوم و استغلال المراة بحجة الكرامة.
ترتبط محاولات اغتيال دونالد ترامب في عامي 2024 و2026 بهذا النسق؛ حيث يتم توظيف لحظة الاستهداف لتحويل الضحية إلى رمز استقطابي يُوحّد القاعدة الشعبية، ويمنح غطاءً شرعياً لإقصاء الخصوم بذريعة حماية “أمن الدولة”.
إن التاريخ البشري مليء بهذه “الذرائع الهندسية”؛ بدءاً من التوظيف التاريخي لـ “قميص عثمان” و”حرب الجمل”، و “حرب البسوس”، “وامعتصماه”، أو حتى افتعال حادثة اغتيال “سميرة” (صديقة طارق عزيز) لتبرير الحرب مع إيران عام 1980، وصولاً إلى ذريعة الكاذبة “ميرنا صدام حسين” في اليمن ضد الحوثي .
إن الربط بين مجزرة الدجيل 1982، ومسرحية الصهريج في 2026، واستغلال الاغتيالات السياسية المعاصرة والسابقة، يوضح عقيدة واحدة: صناعة الذريعة. ففي كل حالة، يتم تجاوز الحقائق لصالح سردية تبيح البطش.
إن التاريخ يُعلمنا أن الأنظمة التي تحتاج إلى صهاريج مفبركة أو قصص أسطورية لتبرير تحركاتها، هي أنظمة لا تبحث عن الأمن، بل تبحث عن شرعية زائفة لتصفية كل من يعارض مشروعها للسلطة.
ضياء ابو معارج الدراجي




