الثلاثاء - 30 يونيو 2026
منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 30 يونيو 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي

 

 

 

حين يُذكر القادة الذين تركوا بصمتهم العميقة في تاريخ المنطقة خلال العقود الأخيرة، يبرز اسم الشهيد السيد علي خامنئي كواحدٍ من أكثر الشخصيات تأثيرًا في مسار الأحداث والتحولات الدولية.

لاشك أن قائد الثورة الإمام علي خامنئي قاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لعقود طويلة وسط حصارٍ وضغوطٍ ومؤامرات وحروب، لكنه استطاع أن يحافظ على ثبات المشروع الإسلامي واستقلالية القرار السياسي، وأن يحول بلاده إلى لاعبٍ رئيسي في معادلات المنطقة والعالم.

تميزت شخصية الشهيد خامنئي بمجموعة من الصفات التي صنعت حضوره الاستثنائي، وفي مقدمتها الإيمان العميق بالقضية الإسلامية، والثبات على المبادئ، والقدرة على استشراف المستقبل وقراءة التحولات الدولية بوعيٍ استراتيجي بعيد المدى.

فلم يكن ينظر إلى الأحداث بوصفها وقائع منفصلة، إنما كان يربطها بمسار الصراع بين قوى الاستكبار العالمي والشعوب الساعية إلى الحرية والاستقلال.

ومن أبرز سمات شخصيته ثقته الكبيرة بقدرات الشعوب، وإيمانه بأن الإرادة والإيمان والوعي قادرة على هزيمة التفوق العسكري والاقتصادي مهما بلغ حجمه.

ولذلك ركز في خطاباته ومواقفه على بناء الإنسان الواعي، وعلى ترسيخ ثقافة الصمود والمقاومة في مواجهة مشاريع الهيمنة الأجنبية.

أما على المستوى الدولي، فقد قامت سياساته على عدة مرتكزات أساسية، أبرزها رفض الأحادية الأمريكية والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب، وتعزيز العلاقات مع القوى الصاعدة شرقاً، ودعم حركات التحرر والمقاومة في المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي اعتبرها القضية المركزية للأمة.

كما عمل على بناء عناصر القوة الشاملة داخل إيران، من خلال دعم التقدم العلمي والتقني والعسكري والاقتصادي، انطلاقًا من قناعته بأن الاستقلال السياسي لا يمكن أن يتحقق دون امتلاك مقومات القوة الوطنية.

وقد شكل دعمه المستمر لمحور المقاومة أحد أهم ملامح سياسته الخارجية، حيث رأى أن مواجهة المشروع الصهيوني والأمريكي ليست مسؤولية شعبٍ واحد، بل مسؤولية أمة بأكملها.

ولهذا بقيت فلسطين حاضرةً في خطاباته ومواقفه حتى آخر أيام حياته.

ولعل ما يلفت النظر في مسيرته أن خصومه قبل أصدقائه كانوا يعترفون بقدرته على الصبر الاستراتيجي وإدارة الصراعات الطويلة، وبنجاحه في الحفاظ على تماسك الدولة الإيرانية رغم العقوبات والحروب والضغوط السياسية والاقتصادية المتواصلة.

لقد استشهد الإمام السيد علي خامنئي، لكن أفكاره ومواقفه ومشروعه السياسي ما تزال حاضرةً في وجدان الملايين من أبناء الأمة، وما تزال آثار سياساته واضحةً في موازين القوى الإقليمية والدولية.

فالقادة الكبار لا يقاسون بطول أعمارهم، وإنما بعمق الأثر الذي يتركونه في مسار التاريخ.

وسيعلم الأعداء خلال تشييع الشهيد القائد علي خامنئي أن الأفكار الكبرى لا تُغتال، وأن المبادئ التي تتجذر في وجدان الشعوب تبقى أقوى من كل محاولات الإقصاء والاستهداف، لتستمر حاضرةً في ميادين المواجهة، وفي ذاكرة الأحرار، وفي مسيرة الأمة نحو الحرية والاستقلال.

وها هو اليوم الإمام مجتبى بن الشهيد علي خامنئي يواصل المسيرة، فهو خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف، حاملًا الأمانة التي حفظها والده لعقودٍ من الزمن، ومتمسكًا بالثوابت والمبادئ التي قامت عليها الثورة الإسلامية.

وإذا كان الأعداء قد راهنوا على أن استشهاد القائد سيُضعف محور المقاومة ويكسر إرادة الأمة، فإنهم يكتشفون يومًا بعد آخر أن الرجال العظماء يرحلون بأجسادهم، لكن مشاريعهم تبقى حيةً في ضمير الشعوب وفي ميادين المواجهة.

وهكذا ستستمر المسيرة، جيلًا بعد جيل، وقائدًا بعد قائد، حتى يتحقق وعد الله للمستضعفين، وتبقى راية العزة والكرامة والاستقلال خفاقةً في وجه قوى الهيمنة والاستكبار، ولانامت اعين الجبناء.