الأحد - 28 يونيو 2026

الخضراء… من فردوس السياسيين إلى سجن المساءلة..!

منذ ساعتين
الأحد - 28 يونيو 2026

كاظم الطائي _Nor ||

 

 

 

لم تكن المنطقة الخضراء، منذ عام 2003، مجرد مركزٍ لإدارة الدولة أو مقراً للمؤسسات الرسمية، بل تحولت مع مرور الزمن إلى رمزٍ للسلطة والنفوذ، وإلى العنوان الأبرز للطبقة السياسية العراقية. فمن يدخلها نائباً أو وزيراً أو مسؤولاً رفيعاً، كان ينظر إليها بوصفها محطة الوصول، حيث النفوذ والامتيازات والحماية، فيما بقيت معاناة المواطن خارج أسوارها تتراكم عاماً بعد آخر.

وخلال أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، ترسخت في الوعي العام صورةٌ مفادها أن المنطقة الخضراء تمثل الفردوس السياسي الذي تُدار فيه السلطة بعيداً عن صخب الشارع، وأن الوصول إليها يعني امتلاك أدوات القرار وضمان البقاء في دائرة النفوذ.
لكن التاريخ السياسي لا يعترف بالثوابت، لأن السلطة بطبيعتها متغيرة، وما يبدو اليوم حصناً منيعاً قد يصبح غداً أكثر الأماكن هشاشة.

إن التحولات التي يشهدها العراق اليوم لا يمكن قراءتها بمعزل عن المتغيرات التي أصابت بنية النظام السياسي نفسه. فالمجتمع الذي طالب طويلاً بالإصلاح، والرقابة التي أصبحت أكثر حضوراً، والضغوط الداخلية والخارجية، جميعها عوامل أعادت تعريف العلاقة بين المنصب العام والمسؤولية، وبين النفوذ والمحاسبة.

وفي مثل هذه المراحل، تتغير دلالة الأمكنة قبل أن تتغير الأمكنة نفسها. فالخضراء لم تعد تُقرأ بوصفها مساحةً للسلطة فقط، بل أصبحت جزءاً من مشهد سياسي يزداد تعقيداً، حيث لم يعد البقاء في دائرة الحكم مرادفاً للأمان كما كان يُعتقد، بل بات يفرض تحديات أكبر، ويجعل المسؤول أمام اختبار دائم في مواجهة الرأي العام، وأمام استحقاقات القانون، وأمام حكم التاريخ.

إن التجارب السياسية في العالم تؤكد أن الدول لا تستعيد عافيتها إلا عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، ويكون القانون أعلى من النفوذ، وتتحول المسؤولية العامة من امتياز إلى تكليف. وعندها فقط، تتراجع فكرة الحصانة المطلقة، لتحل محلها ثقافة المساءلة بوصفها أساساً لاستقرار الدولة واستعادة ثقة المجتمع.

وربما سيكتب التاريخ أن المنطقة الخضراء لم تتغير جغرافياً، وإنما تغير معناها السياسي. فما كان يُنظر إليه لعقود بوصفه فردوساً للسياسيين، قد يتحول إلى سجنٍ للمساءلة، حيث لا تصنع الأسوار حصانة، ولا تمنح المناصب نجاةً دائمة. وحينها لن يكون السؤال: من دخل المنطقة الخضراء؟ بل من استطاع أن يغادرها وقد حفظ المال العام، وصان الأمانة، وخرج أمام شعبه وتاريخه وقضائه بصفحةٍ لا يثقلها شيء.

فالأوطان لا يحميها الإسمنت المسلح، ولا الأسوار العالية، وإنما تحميها العدالة، ويصونها القانون، ويخلدها المسؤول الذي يدرك أن المنصب مرحلة، أما الحساب فباقٍ ما بقيت الدولة والتاريخ.