لبنان بين خيار السيادة وخيار الإذعان..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

لم تعد المعركة في لبنان محصورةً بين احتلال يريد تثبيت عدوانه، وشعبٍ يدافع عن أرضه، لكنها أصبحت معركةً بين مشروعَين متناقضَين:
مشروع المقاومة الذي يرى أن السيادة تُنتزع بالقوة والثبات.
ومشروع التسويات الذي يراهن على الوعود الأمريكية وإملاءات كيان الاحتلال اللقيط
وفي هذا السياق، جاء بيان سماحة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليضع النقاط على الحروف، وليقدم قراءةً سياسيةً حادةً لما وصفه بـ”اتّفاق الإطار” الذي جرى في واشنطن، معتبرًا أنه ليس اتّفاقًا يحفظ لبنان، وإنما تنازلٌ مجاني عن أوراق القوة، وإقرار ضمني بمنح الاحتلال ما عجز عن انتزاعه في الميدان.
فالبيان يطرح سؤالًا جوهريًّا: كيف يمكن لسلطةٍ تدّعي الدفاع عن السيادة أن تدخل مفاوضات مباشرة مع عدوٍ يحتل الأرض، ويقتل المدنيين، ويفرض شروطه بقوة النار؟ وأين مسؤوليتها تجاه الشعب اللبناني الذي دفع آلاف الشهداء والجرحى دفاعًا عن الوطن؟.
ويشير البيان إلى أن السلطة اللبنانية رفضت، في وقتٍ سابق، وقفًا لإطلاق النار كان مطروحًا ضمن مسار التفاهمات الإيرانية الأمريكية، وهو ما فتح البابَ أمام تصعيد عسكري دموي شهد عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مختلف المناطق اللبنانية، قبل أن تتبدل المعادلات لاحقًا.
ومن أبرز ما ركز عليه الشيخ نعيم قاسم حديثه عن مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، التي اعتبر أنها وضعت وقف الحرب على لبنان في مقدمة بنودها، وربطت أي تسوية بضمان سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها، مع تحديد مهلة للتوصل إلى اتّفاق نهائي بشأن الانسحاب الإسرائيلي.
ويرى أن هذه المذكرة مثّلت ورقةَ قوة للبنان، كان يمكن البناء عليها لاستعادة الحقوق، إلا أن السلطة ـ بحسب البيان ـ فرَّطت بهذه الورقة واتجهت إلى اتّفاقٍ يمنحُ الاحتلال مكاسبَ مجانية.
كما انتقد البيانُ بشدة ربط الانسحاب الإسرائيلي بمسألة سلاح المقاومة، معتبرًا أن هذا الربط يُحوّل قضية الاحتلال إلى أدَاة ضغط دائمة على لبنان، ويجعل العدوّ وصيًّا على القرار الداخلي، ويمنحه حق تعطيل أي انسحاب بذريعة عدم تنفيذ شروطه، وهو ما يشكل ـ وفق البيان ـ تجاوُزًا لكل الخطوط الوطنية والسيادية.
ويحذّرُ البيانُ من أن قبولَ بقاء الاحتلال تحت مسميات “المرحلة التجريبية” أَو “المناطق النموذجية” يعني عمليًّا شرعنة الاحتلال وإطالة أمده، وربما فتح الطريق أمام فرض وقائعَ جديدة على الأرض، وهو ما يتعارض مع حق اللبنانيين في العودة إلى أراضيهم، ويحول الاحتلال من حالة مؤقتة إلى أمر واقع.
ويؤكّـد البيان أن المقاومةَ لم تكن يومًا سببًا في ضياع السيادة، إنما كانت العامل الأَسَاسي في حماية لبنان وردع العدوان، وأن وقف إطلاق النار لم يتحقّق إلا بفعل صمود المجاهدين وتضحيات الشهداء والجرحى، لا نتيجة الرهانات السياسية أَو الضغوط الدبلوماسية وحدها.
وهنا نستحضر قول الشهيد الأسمى السيد حسن نصرالله “لو فكّر أحد، أي أحد، أن ينزعَ سلاح المقاومة، سنقاتله قتالَ الكربلائيين الاستشهاديين”.
إن التجاربَ في منطقتنا أثبتت أن العدوّ الصهيو أمريكي لا يمنح الحقوقَ لمن يطلبها على طاولات التفاوض مُجَـرّدًا من عناصر القوة، وإنما يفرض التنازلات على الضعفاء، بينما يحسب ألف حساب للشعوب التي تمتلك إرادَة الصمود والمقاومة.
كما يؤكّـد سيد القول والفعل دائمًا أن أمريكا ليست وسيطًا نزيهًا، هي شريكٌ كاملٌ في المشروع الإسرائيلي، وأن كُـلّ المبادرات التي تُصاغ برعاية أمريكية تُبنى على أَسَاس خدمة الاحتلال، لا على أَسَاس إنصاف الشعوب المظلومة، ولذلك فإن الرهان الحقيقي يبقى على وعي الأُمَّــة، وعلى ثباتها، وعلى امتلاكها لعناصر القوة.
ويبقى الدرس واضحًا: فالأوطان لا تُحمى بالتنازلات، والسيادة لا تُهدى من واشنطن، والحقوق لا يمنحها كيان العدوّ طوعًا، وإنما تُصان بالإيمان، والوحدة، والصمود، والاستعداد الدائم للمواجهة والله المعين.




