فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴿الروم: 60﴾..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴿الروم: 60﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة على ثلاثة أمور -ونحن أحوج ما نكون إليها في هذه المرحلة الخطيرة التي نمر بها- اشتملت على أمرٍ وبِشارةٍ، ونَهيٍ.
فأما الأمر الأول: الأمر بالصبر، والصبر من الإيمان كالرأس من الجسد كما جاء في الروايات الشريفة، وهو فعل ضروري لمواجهة مصاعب الحياة وأزماتها، لا سيَّما في حال الصراع مع العدو، وما يتطلبه من دفع أثمان باهظة في الأنفس والأموال، فبالصبر يتحكّم المَرء في ردود أفعاله، وبه يتعامل مع أزماته بوعي وإتقان، وبه يمنع العدو من أن يجرّه إلى ملعبه، أو يستدرجه إلى مواجهة غير محسوبة النتائج من خلال الضغوط النفسية والمادية التي يمارسها عليه، والصابر يعلم أن الحال التي هو عليها لن تدوم، وأن الزمان يجري ومعه تتغير الأحداث، وما يكون صعبًا عليه الآن قد يسهُل في قابل الأيام، فيعطي للزمن حقه ولا يستعجل النتائج، لا سيّما أن كثيرًا من القوى والشعوب تُهزَم لأنها تستعجل النتائج.
وما مِن شَكٍ في أننا اليوم نواجه ضغوطًا هائلةً وعلى المستويات كافّة، السياسية، والاقتصادية، والمالية، والعقوبات على الأفراد والمؤسسات، ونواجه حربًا نفسية ضخمة، وإعلامًا يختلق الأكاذيب والأراجيف، فتارة يشكِّك في الخيارات، وأخرى يشكِّك في القيادات، وثالثة يسخر من التضحيات، ورابعة يصوِّر الصمود جنونًا، والاستسلام عقلانية، يهدف من وراء ذلك كله كسر إرادتنا، وإكراهنا على خيارات ومواقف مدمِّرة، فيأتي الصبر هنا ليمنحنا طاقةً هائلةً تمكننا من الثبات، وتحول بيننا وبين اتخاذ قرارات انفعالية قد تبدو نافعة في اللحظة الراهنة، ولكنها تجلِب إلينا خسارات كبرى في المستقبل القريب والبعيد.
وبهذا لا يكون الصبر انتظارًا سلبيًا، ولا استسلامًا للواقع المرير، بل هو انتظار واعٍ، وتوثَّب، وترصُّد للفرصة المؤاتية، ومحفِّز لتفعيل الطاقات والإمكانيات، وإعداد لما ينبغي إعداده، واستعداد للحظة المناسبة.
وأما الأمر الثاني: فهو البشارة بأنّ وعد الله متحقِّق لا محالة، واليقين بوعد الله شرط لازم لكمال الإيمان، فبه يصبر المؤمنون على ما يصيبهم، وبه يتطلعون إلى النصر الذي ينزله الله في اللحظة الحاسمة في علمه تعالى، والقرآن الكريم يربط النصر بالصبر في الكثير من آياته الكريمة، ويقدمه لنا كمسار طويل من المعاناة وبذل الجهد وتلقّي المصائب، وأن سُنَّته قد جرت بذلك، ولذلك عندما يعِدُ أولياءه بالنصر لا يعني أن يُنزِلَه عليهم سريعًا، بل ينزله عندما تتهيّأ جميع أسبابه وظروفه، ليكون نصرًا ثابتًا غير قابل للذهاب.
والأمر الثالث: أن نحذر من التأثُّر بمنطق المهزومين، وأن نحذر من الانجرار النفسي إليهم، فهؤلاء يصنعون الإحباط، ويزرعون القلق في النفوس، ويعملون على تضخيم الأثمان، ويهوِّلون بقدرات الأعداء، ويضخّمون الهَفَوات والأخطاء، ويختزلون الصراع مع العدو في صورة عبثية لا طائل منها، فتأتي الآية الشريفة لتأمرنا بالاعتماد على وعينا، وعلمنا، والثِّقة بخياراتنا، وأن نكون أهل بصيرة، نعرف الزمان وأهله، ونعرف أحداثه ومن يقف وراءها ويؤثِّر فيها، كي لا تلتبس الأمور علينا.
هؤلاء (الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) الذين فقدوا اليقين، وطاشت عقولهم، وارتجفت قلوبهم وفقدوا الاتجاه الصحيح، والذين تتبدَّل مواقفهم باستمرار، هؤلاء لا ينبغي أن يستخفُّوا بنا، ويؤثِّروا في نفوسنا وقناعاتنا وخياراتنا، فالمؤمن لا يتأثَّر بكل ما يُقال وبكل ما يسمع، ولا ينجرف مع التيّار، ولا يتبِّع كل ناعق ينعق، ولا يكون إمّعيًا يمشي خلف الناس دونما وعي وبصيرة، وإنما له معاييره الحَقَّة التي يقيس عليها الآراء والخيارات.
إن المجتمعات التي تنتصر هي التي تصمد وتصبر وتضحي، وهي التي تعي ما تفعل، وتتجه إلى أهدافها بثبات ويقين، ترجو بذلك رضوان الله، وتتقرّب إليه بكل خطوة تخطوها، وكل جهد تبذله، وتوقِن أنه معها، يرعاها ويسدِّدها ويعينها وينصرها.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأحد الواقع في: 28/6/2026 الساعة (04:12)




