اصنام خلف مغارة السلطة..!
رياض الفرطوسي ||

في الأزمنة التي يطول فيها المقام على كرسي الحكم، لا يعود الخطر في بطش الحاكم وحده، بل في الصورة التي يبدأ برسمها لنفسه داخل مرآته الخاصة. هناك، في تلك العزلة التي لا يصلها اعتراض ولا نقد ولا مساءلة، يتضخم الإنسان حتى يختلط عليه الفرق بين الدولة وشخصه، بين الوطن واسمه، بين التاريخ وسيرته.
من هذه النقطة تبدأ صناعة الأصنام.
ليست الأصنام دائماً حجارة منصوبة في الساحات، ولا تماثيل برونزية ترتفع فوق الرؤوس. بعضها يمشي على قدمين، يتحدث عبر الشاشات، ويقنع نفسه تدريجياً بأنه أكبر من الخطأ وأعلى من النقد وأقرب إلى القداسة من بقية البشر.
يروي الدكتور حميد عبد الله وثيقة نادرة تعود إلى عام 2002، تتحدث عن ثلاث شعرات من شارب صدام حسين أودعت في جامع أم المعارك ببغداد داخل صندوق خاص أعدت له لجنة رسمية ترتيبات حفظ دقيقة، وكأن الأمر يتعلق بأثر مقدس ينبغي أن يبقى للأجيال القادمة. قد يختلف الناس حول التفاصيل أو مصير تلك الشعرات بعد عام 2003، لكن القيمة الحقيقية للوثيقة ليست في الشعرات نفسها، بل في العقلية التي أنتجتها.
عندما يقتنع الحاكم أن جزءاً من جسده يستحق الحفظ للأبد، فإن المسافة بين السلطة والقداسة تكون قد اختفت تقريباً.
التاريخ مليء بهذه النماذج.
الفراعنة لم يحكموا مصر بوصفهم ملوكاً فقط، بل باعتبارهم أبناء للآلهة. والأباطرة الرومان كانوا يشيّدون المعابد لأنفسهم وهم أحياء. وفي كوريا الشمالية تحولت سيرة الحاكم إلى ما يشبه النصوص المقدسة التي لا يجوز الاقتراب منها. وفي الاتحاد السوفيتي صنع جوزيف ستالين حول نفسه هالة أسطورية جعلت ملايين الناس يصدقون أن الزعيم لا يخطئ حتى عندما كانت المقابر الجماعية تزداد اتساعاً.
المشكلة أن سقوط الصنم لا يعني نهاية ثقافة الأصنام.
بعد عام 2003 ظن العراقيون أنهم غادروا عصر الفرد الواحد إلى غير رجعة. سقطت التماثيل، وانهارت الصور العملاقة، وانتهى عهد القائد الضرورة. لكن ما لم يسقط هو الفكرة نفسها.
فكرة الزعيم الذي لا يُسأل.
فكرة المسؤول الذي يرى النقد مؤامرة.
فكرة الحزب الذي يعتبر نفسه ممثلاً للحقيقة المطلقة.
وفكرة السياسي الذي يتحول مع مرور السنوات إلى نسخة مشوهة من خصمه الذي كان يلعنه بالأمس.
شيئاً فشيئاً بدأت تتشكل أصنام جديدة. لم تحمل الاسم نفسه، ولم ترتد الملابس نفسها، لكنها تشابهت في الجوهر. سنوات طويلة من النفوذ والمال والحماية والسلاح والامتيازات صنعت لدى بعض أهل السلطة شعوراً بأنهم فوق المجتمع لا جزء منه. صار الخطأ دائماً عند الآخرين، والفشل مؤامرة، والفساد إشاعة، والاحتجاج استهدافاً سياسياً.
وحين يغيب التداول الحقيقي للسلطة، تتولد متلازمة خطيرة. الحاكم لا يسمع إلا المديح، والمحيطون به لا يقدمون إلا ما يرضيه، فتتآكل قدرته على رؤية الواقع. عندها يصبح اقتناعه بنفسه أقوى من الحقائق كلها.
هذه ليست مشكلة أشخاص، بل مشكلة ثقافة سياسية كاملة.
ولهذا تبدو ذكرى الإمام الحسين أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فجوهر كربلاء لم يكن صراعاً على الحكم، بل مواجهة بين من اعتقد أن السلطة تمنحه شرعية مطلقة، وبين من قال إن الإنسان يبقى مسؤولاً أمام الحق مهما امتلك من قوة ونفوذ.
في كربلاء سقط وهم العصمة السياسية.
وفي كل عصر تعود المعركة ذاتها بأسماء جديدة.
فالمشكلة ليست في صنم بعينه، بل في استعداد الناس لصناعة الأصنام. ليست في حاكم واحد، بل في البيئة التي تسمح لأي حاكم أن يتحول إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
العراق اليوم لا يحتاج إلى إسقاط تماثيل جديدة، بل إلى هدم الفكرة التي تنتج التماثيل من الأساس. يحتاج إلى دولة تكون فيها المناصب مؤقتة، والمسؤولون بشراً يخطئون ويصيبون، والسلطة خدمة لا مقاماً مقدساً.
فكل صنم يبدأ بصورة معلقة على جدار، ثم ينتهي وطناً كاملاً معلقاً على إرادة شخص واحد.
وتلك، كما يعلمنا التاريخ دائماً، هي بداية الخراب.




