من “بطل” جدتي إلى حفارات المليارات..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

كانت جدتي رحمها الله امرأة أمية لا تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت تمتلك من الحكمة الاقتصادية ما يكفي لإدارة دولة كاملة لو قورنت ببعض من يتصدرون المشهد اليوم.
في زمن العثمانيين ثم بدايات العهد الملكي، كانت تجمع عملات ورقية ومعدنية. لا بنوك، ولا خزائن حديدية، ولا بطاقات مصرفية، ولا شركات أمنية. كان لديها “بطل” زجاجي صغير، تضع فيه ما تدخره من أرباع الدنانير وأنصافها الورقية، ثم تدفنه في أرض الدار الطينية أو في أحد أطرافها لتحفظه من الضياع والتلف.
ومن تلك الأيام ولدت العبارة العراقية الشهيرة: “اكسر البطل”، أي أخرج مدخراتك وأنفقها في مشروع أو تجارة أو شراء دار أو تزويج ولد.
لكن العالم كله كان يكسر البطل إلا جدتي.
كانت تمتلك تقنية متقدمة سبقت بها المصارف المركزية بقرن كامل. فعندما تحتاج إلى بعض المال، تأتي بعود رفيع مشقوق من الوسط، تدخله من فوهة البطل، فتلتقط به الورقة النقدية، ثم تلفها على شكل أسطوانة وتسحبها بهدوء من دون أن تكسر الزجاجة.
لم تكن تريد كسر البطل، لأن البطل الزجاجي نفسه كان ثروة نادرة في ريف علي الشرقي بمحافظة ميسان آنذاك.
أما النقود المعدنية فكانت تربطها في طرف شيلتها السوداء، وتبقى معلقة معها أينما ذهبت. كل ثروتها المدفونة والمربوطة لا تتجاوز أربعة دنانير وبعض الفلوس والعانات، لكنها كانت تنام قريرة العين وهي تشعر أنها تملك الدنيا.
ولو قُدّر لجدتي أن تعود إلى الحياة اليوم، ورأت أخبار اكتشاف تسعين مليار دينار عراقي مدفونة في المزارع والمخازن والبيوت، لظنت أن العراق أصبح أغنى من أمريكا والصين مجتمعتين.
ولو أخبروها أن هذه الأموال ليست مدخرات فلاحين ولا ميراث أيتام، بل أموال منهوبة من مؤسسات الدولة ووزارة النفط، لربما سألت بسذاجتها الريفية:
“ولِمَ يسرقون كل هذا المال إذا كانوا لن يأكلوه ولن يلبسوه ولن يصرفوه؟”
ولو أخبروها أن بعض اللصوص يحتاجون إلى حفارات وشاحنات وبيوت ومزارع ومخازن لإخفاء الأموال، بينما كانت هي تخفي ثروتها كلها في بطل زجاجي بحجم الكف، لضحكت حتى تسقط أسنانها.
أما لو علمت أن جزءاً كبيراً من هذه السرقات يجري في مناطق كان قادتها يملأون الدنيا صراخاً عن المظلومية والحقوق والشراكة الوطنية، ثم تحولت بعض مؤسساتهم إلى مصانع للنهب وغسل الأموال، لقالت عبارتها الريفية البسيطة:
“الجوعان إذا شبع لا يسرق رغيفاً… فلماذا سرقوا المخبز كله؟”
لكن المأساة لا تقف عند السارق وحده.
فالسارق يفعل ما يجيده، أما الكارثة الحقيقية فهي في الغافل الذي يترك الباب مفتوحاً.
لقد أثبت كثير من اللصوص مهارة استثنائية في سرقة المال العام، بينما أثبت عدد من القادة الشيعة مهارة أكبر في الغفلة وسوء الإدارة وترك الخزائن مفتوحة باسم التوافق والتوازن والشراكة السياسية.
الأول سرق، والثاني وفر له الظروف المناسبة للسرقة.
الأول حفر الأرض لدفن المال، والثاني حفر للدولة حفرة أعمق من حفرة المال نفسه.
واليوم، بعد أكثر من مئة وعشرين سنة على زمن جدتي، ما زال العراقي يدفن المال تحت التراب، لكن الفرق أن جدتي كانت تدفن أربعة دنانير جمعتها من عرق جبينها، بينما يدفن بعضهم مليارات جمعها من عرق ملايين العراقيين.
جدتي كانت تخشى أن يضيع المال.
أما لصوص اليوم فيخشون أن يظهر المال.
وهنا يكمن الفرق بين زمن الفقر الشريف وزمن الثراء المسروق.
ضياء ابو معارج الدراجي




