الثلاثاء - 23 يونيو 2026

الفساد في العراق: هل بدأت المعركة أم بدأ الصراع على الغنائم؟!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

منذ أكثر من عشرين عاماً، والفساد في العراق لم يعد مجرد ظاهرة إدارية أو انحراف مالي، بل أصبح جزءاً من البنية السياسية والإقتصادية للدولة، ولذلك فإن أي حديث عن “محاربة الفساد” يجب أن يُقرأ بحذر شديد، لأن الفساد في العراق ليس مجموعة موظفين سرقوا المال العام، بل شبكة مصالح متداخلة تمتد من القرار السياسي إلى الإدارة التنفيذية إلى الإقتصاد الموازي… ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من اعتُقل؟

بل: ” من سمح له أن يسرق طوال هذه السنوات” ؟.عندما يُلقى القبض على مسؤول أو مدير عام أو متعهد، فهذه ليست نهاية القصة بل بدايتها ، لأن الفاسد الصغير يشبه الجندي في المعركة؛ أما من خطط وغطى ومكّن وشارك في توزيع النفوذ فهو غالباً لا يظهر في الصور ولا في المؤتمرات الصحفية. في علم السياسة هناك قاعدة معروفة: “الفساد الكبير لا يعيش وحده، بل يعيش داخل منظومة حماية”… وهنا تكمن العقدة العراقية، فإذا كانت الحملة الحالية حقيقية، فإنها ستصل حتماً إلى الرؤوس التي صنعت شبكات النفوذ وحولتها إلى إمبراطوريات مالية، أما إذا توقفت عند الحلقة الأخيرة من السلسلة، فإن ما يجري لن يكون مكافحة فساد، بل إعادة ترتيب للتوازنات داخل الطبقة الحاكمة.

ما الذي يخبرنا به التاريخ العراقي؟، منذ 2003 وحتى اليوم، سقط وزراء ومدراء ومسؤولون كبار، وفتحت آلاف الملفات، وأُعلنت عشرات اللجان، لكن السؤال: هل تغير النموذج؟، الجواب المؤلم هو: لا، لأن النظام كان يعالج نتائج الفساد دون أن يقترب من مصادر إنتاجه، فكلما سقط فاسد ظهر غيره، وكلما أغلقت نافذة فتحت عشر نوافذ، والسبب أن البيئة التي تنتج الفساد بقيت كما هي:[ المحاصصة و تضارب المصالح و النفوذ السياسي و ضعف المساءلة و غياب الفصل الحقيقي بين السلطة والمال]
ومن هنا يمكن أن نتساءل ما الذي قد يحدث مستقبلاً؟، واضح أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة.

السيناريو الأول: حملة إصلاح حقيقية، وفيه تبدأ التحقيقات بالصعود إلى الأعلى لا بالنزول إلى الأسفل… أي الإنتقال من الموظف إلى المدير، ومن المدير إلى المسؤول السياسي، ومن المسؤول السياسي إلى الجهة التي وفرت الحماية. هذا السيناريو سيخلق صداماً هائلاً داخل مراكز القوى، لكنه قد يكون بداية ولادة دولة أكثر استقراراً. السيناريو الثاني: تصفية حسابات داخلية، وهنا يتحول ملف الفساد إلى سلاح سياسي، فتُفتح ملفات ضد خصوم معينين بينما تُغلق ملفات أخرى، في هذه الحالة لن يختفي الفساد، بل سيتغير فقط توزيع مراكزه، وسيشعر المواطن أن المعركة تدور بين “الحيتان” على من يحتكر البحر، لا على تنظيفه.

أما السيناريو الثالث: الأخطر، وهو أن يتحول ملف الفساد إلى مادة إعلامية فقط، أي [ اعتقالات. تصريحات. مؤتمرات]، ثم يعود كل شيء كما كان… وهنا لا تخسر الحكومة وحدها، بل تخسر الدولة رصيدها المعنوي الأخير أمام المجتمع. أن البصيرة التي يتجاهلها كثيرون، المشكلة ليست في وجود الفاسدين، فكل دول العالم فيها فاسدون، المشكلة عندما يصبح الفساد جزءاً من آلية “الحكم نفسها”. عندها لا يعود الفاسد استثناءً، بل يصبح المنتج الطبيعي للمنظومة، ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين هيئة النزاهة والفاسدين، بل بين ” منطق الدولة ومنطق الشبكات” ، بين دولة تريد أن تحكم بالقانون، وشبكات تريد أن تحكم بالمصالح، ومن ينتصر في هذه المعركة سيحدد شكل العراق خلال العقد القادم.

هنا السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراقيون اليوم ليس: كم فاسداً تم اعتقاله؟، بل: هل اقتربت الدولة من الرؤوس التي صنعت الفساد وحمته ومولته وأدارت شبكاته؟، فإذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام بداية تحول تاريخي… أما إذا بقيت الحملة تدور حول الأطراف وتبتعد عن المراكز الحقيقية للقوة، فسنكون أمام مشهد يتكرر منذ سنوات: اصطياد الأسماك الصغيرة أمام الكاميرات…بينما تبقى الحيتان تراقب المشهد من الأعماق.