الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ 50 دقيقة
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

Screenshot

 

 

لم تكن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) حدثاً تاريخياً عابراً أرتبط بزمانه وأنتهى أثره بأنتهاء معركته ، بل تحولت إلى مدرسة أخلاقية وسياسية وإنسانية مُتجددة تستمد منها الشعوب والأمم دروسها في مُواجهة الانحراف والظلم والفساد ، فلقد شكّلت نهضته الخالدة نموذجاً فريداً في التاريخ ، لأنها لم تنطلق من رغبة في سُلطة أو طموح شخصي أو صراع على النفوذ ، وإنما جاءت دفاعاً عن المبادئ والقيم التي شعر الإمام بأنها تتعرض للتشويه والانحراف ، وحفاظاً على كرامة الإنسان وحقوقه ، وإحياءاً لمفهوم المسؤولية أتجاه الأمة .

حين أعلن الإمام الحسين (ع) أن خُروجه كان لطلب الإصلاح في أمة جده ، فإنه لم يُقدم شعاراً عاطفياً أو خطاباً تعبوياً مُؤقتاً ، بل وضع مبدأً سياسياً وأخلاقياً عميقاً ما زال صالحاً لكُل زمان ومكان ، فالإصلاح في فكر الحسين لم يكُن مُجرد تغيير أشخاص أو أستبدال سُلطة بأخرى ، وإنما كان مشروعاً مُتكاملاً لإعادة الاعتبار للعدالة والنزاهة والحق ، ومواجهة كُل أشكال الاستبداد والانحراف التي تُهدد أستقرار المُجتمعات ومُستقبلها .

ومن هنا فإن أستحضار ثورة الإمام الحسين في واقعنا المُعاصر لا ينبغي أن يقتصر على البكاء واللطم على المأساة أو أستذكار تفاصيلها التاريخية ، بل يجب أن يتحول إلى وقفة جادة أمام الرسائل العميقة التي حملتها تلك الثورة الفكرية العظيمة .

فالحسين لم يكن شاهداً على الفساد ، ولم يمنح الشرعية لمن رآهم سبباً في ضياع الحقوق وأنحراف الدولة عن رسالتها ، بل أختار طريق المُواجهة الأخلاقية مهما كانت التضحيات ، ولهذا بقيت كربلاء رمزاً تاريخياً وعالمياً لرفض الظُلم والانتصار للمبادئ .

إن العراق اليوم ، وهو يواجه تحديات مُعقدة ومُتراكمة ، يحتاج إلى قراءة واعية لهذا الإرث الإصلاحي بعيداً عن التوظيف السياسي أو الشعارات الموسمية ، فالمُشكلة التي عانى منها العراقيون خلال عقود طويلة لم تكُن مُرتبطة بنُدرة الموارد أو غياب الإمكانات ، بل نتجت في جانب كبير منها عن سوء الإدارة ، وضُعف التخطيط ، وأستشراء الفساد ، وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية ، وقد أدى ذلك إلى إضعاف ثقة المواطن بمُؤسسات الدولة ، وإبطاء مسارات التنمية والإصلاح رغم ما يمتلكه البلد من مقومات هائلة .

وفي هذا السياق ، يصبح أستلهام المنهج الحسيني ضرورة أخلاقية ووطنية أكثر منه أستدعاءاً تاريخياً ، فجوهر الرسالة الحسينية يتمثل في تقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة ، والانتصار للحق على حساب المكاسب الآنية ، وتحمل المسؤولية بشجاعة عند مُواجهة الأخطاء والانحرافات ، وهي مبادئ لا يُمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح من دونها ، ولا لأي دولة أن تحقق الاستقرار الحقيقي إذا غابت عن مُؤسساتها وقياداتها .

ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يُمكن أن تُؤديه المنابر الدينية والثقافية والإعلامية في ربط القيم الحسينية بواقع المُجتمع والدولة . فالمطلوب ليس خطاباً أنفعالياً أو مُوجهاً ضد جهات أو أشخاص بعينهم ، وإنما خطاب وطني مسؤول يُذكر الجميع بأن رسالة الإمام الحسين كانت رسالة إصلاح وعدالة ومُساءلة ، وأن الوفاء الحقيقي لها يتحقق عندما تتحول تلك المبادئ إلى سلوك ومُمارسات وسياسات تخدم الناس وتحفظ حقوقهم وتصون المال العام .

الجميع اليوم يقف أمام أختبار تاريخي لا يقل أهمية عن أي محطة مرت بها البلاد في العقود الماضية ، فالمواطن لم يعد يبحث عن الشعارات بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة تعكس جدية الإصلاح ، وفاعلية مُؤسسات الدولة ، ولذلك فإن أستعادة الثقة بين الدولة والمُجتمع تتطلب خطوات عملية تقوم على ترسيخ سيادة القانون ، وتعزيز الرقابة والمُحاسبة ، وأختيار الكفاءات على أساس الخبرة والنزاهة والمهنية ، بعيداً عن أعتبارات المحاصصة والتوازنات الضيقة التي أثبتت التجربة محدودية قُدرتها على بناء دولة قوية وفاعلة .

لقد علمتنا كربلاء أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الشجاعة في مُواجهة الخلل والاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن تبريرات لها ، كما علمتنا أن الشرعية الأخلاقية لأي سُلطة لا تُقاس بما تملكه من نفوذ أو إمكانات ، بل بمدى التزامها بالعدالة وخدمة الناس وصيانة حقوقهم ،وهذه الحقيقة ما تزال تُمثل البوصلة الأهم لأي مشروع وطني يسعى إلى بناء عراق مُستقر وقادر على مُواجهة تحديات المستقبل .

أخيراً وليس آخراً .. اليوم وفي ظل المُتغيرات السياسية والاقتصادية التي يمر بها العراق تبدو الحاجة مُلحة إلى تبني رؤية إصلاحية جادة تستلهم من ثورة الإمام الحسين قيمها لا شعاراتها فقط ، فمكُافحة الفساد لا تتحقق بالخُطب والوعود وحدها ، بل ببناء مُؤسسات قوية ، وتفعيل المُساءلة ، وترسيخ ثقافة الكفاءة ، وحماية المال العام ، وإعلاء مصلحة الوطن فوق كُل أعتبار ، وعندما تتحول هذه المبادئ إلى نهج عمل دائم ، يكون العراق قد أقترب فعلاً من جوهر الرسالة التي خرج الحسين من أجلها ، رسالة الإصلاح والعدالة والكرامة الإنسانية ، وهي الرسالة التي ما زالت قادرة على إنقاذ الأوطان كُلما أحسن أبناؤها فهمها وتطبيقها …!