الثلاثاء - 23 يونيو 2026

الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي وكتاب الشهيد الخالد..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

د. ||

 

 

في مطلع كل عامٍ هجري، وإبّان الدخول في أيام الحزن المرتبطة بعاشوراء الإمام الحسين (ع)، يعود البعض منّا الى الاشارة، صراحةً أو تلميحاً، إلى كتاب “الشهيد الخالد” للشيخ نعمة الله صالحي مجف آبادي (1923-2006م)، والذي يعد من أشهر علماء الدين الايرانيين المعاصرين ضمن الحيز التجديدي، وقد عُرف عنه بجرأته في نقد العديد من الثوابت والمسلمّات الدينية على المستوى العقدي أو المستوى التأريخي أو غيرهما، وتأتي هذه الإشارة من قبل هؤلاء البعض كدلالة على الموافقة والتأييد لما طرحه المؤلف في قراءة تأريخية ذات سياق اجتماعي-سياسي صرف لمجريات الطف ومتلازماتها.

وقد أصدر الشيخ نجف آبادي كتابه ذائع الصيت “شهيد جاويد/الشهيد الخالد” في اواخر ستينات القرن الماضي متناولاً قضية الإمام الحسين (ع) من زاوية تحليلية مغايرة لما هو معهود في الأدبيات الشيعية على المستويين النخبوي والشعبي، إذ خالف المؤلفُ التفسيرَ التقليدي السائد الذي يرى أن الإمام الحسين (ع) كان مدركاً لطبيعة المآلات التي يتجه صوبها في مشروعه الاصلاحي، ومن أكثف دلالات هذا الادراك قوله عليه السلام (وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء)، وكذلك قوله لمن أراد ثنيه عن الخروج: (شاء الله أن يراني قتيلاً، وأن يراهن سبايا)، وغيرها من الدلالات الكاشفة عن علم حسيني بالمآلات، وأن له منزلة خاصة لن ينالها إلا بالشهادة.

وفي خضم كثافة الدلالات الشيعية لعلم الإمام (ع) بما سيجري له، يأتي الشيخ نجف آبادي ليغير البوصلة عبر الاشارة الى ان الامام لم يكن كذلك، وأنه أراد أن يقيم حكومة اسلامية عادلة، وإصلاح الاوضاع الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السيئة التي اجترحت الامة الاسلامية جرّاء توالي الشخوص غير المناسبين على حكم المسلمين، والإمام هنا ينطلق في حركته من معطيات سياسية واقعية، وخاصة الرسائل التي وردت اليه من أهل الكوفة، ولم يكن القتل أو الاستشهاد هو المنطلق الاول للتحرك الحسيني، بل أن خيار الانتصار هو الخيار الراجح والدافع لهذا التحرك، إلا أن تحول مجريات الأمور، وتبدلات المواقف، وتغيرات ميزان القوى قاد الى حصول واقعة الطف الاليمة بهذا الشكل الذي حصل، وانتهى باستشهاد الامام (ع) ومن معه، وسبي النساء والاطفال في واقعة إكتنزت كل معاني التضحية والبسالة والمآساة في آن واحد.

وقد أثار كتابُ الشهيد الخالد العديدَ من النقود والردود، ومن أبرز من ردّ عليه الشيخ مرتضى المطهري (1919-1979م)، وكذلك الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (ولد عام 1924م)، وغيرهما، وما زال الكتاب يلقى الصدى في بعض الاوساط بالشكل الذي يجعل الاشارة اليه تحضر في كل محرم عند البعض.

وما أهدف اليه في هذه السطور ليس الرد على الشيخ نجف آبادي، إذ قام الكثيرون بذلك، وفنّدوا المرتكزات والدعامات الفكرية والتأريخية التي استند اليها، بل أن هدفي هو الاشارة الى مسالة في غاية الاهمية، افترض ان أغلب المشيرين الى الكتاب، والمشيدين به في الوقت ذاته، غير ملتفتين إليها، ألا وهي أن ما توصّل اليه الشيخ في كتابه من نتائج لها ارتدادات عقدية وروائية وغيرها ينبغي عدم تجاهلها إبّان التعاطي، سلباً أو ايجاباً مع الكتاب، فالقول بأن الإمام (ع) لم يكن عالماً بمآلات الأمور، ولا مدركاً لمصائره هو ومن معه، يعني أن ذلك له علاقة بمباحث عقدية عدة، منها مبحث العصمة، ومبحث علم الإمام، وغيرها، كما أن ذلك له علاقة بالموقف الروائي فيما يتعلق بالتعامل مع الرجال حرجاً وتعديلاً، ومع الروايات والأخبار إثباتاً ونفياً، ومن ثم يمكن القول بلغة أستعير فيها المنطق الماركسي:

أن ما طرحه الشيخ نجف آبادي في كتاب الشهيد الخالد عبارة عن بنية فوقية ترتكز على بنية تحتية، وأن الاخيرة هي التي تفسح له المجال للوصول الى هكذا نتائج خطيرة، ولذلك عندما نقرأ أو نسمع للذين يشيرون للكتاب ويشيدون به، ولكنهم في الوقت ذاته غير مؤمنين بالبنية التحتية التي أنتجت الكتاب، نكون أمام خلل معرفي كبير، فكيف يمكن أن تؤمن بعصمة الإمام، وبعلم الإمام بالمآلات، وفي الوقت ذاته تؤيد كتاباً يتعارض مع هذه الثوابت؟ أو كيف تتوافق مع نتائج تحليلية لمعطيات تأريخية تتعارض مع المنهج الذي تؤمن به أنت، أو من تتبعه، في حين هي تصب في صميم الموقف العقدي والروائي الذي يتبناه الشيخ صالحي نجف آبادي؟

إن هذه المسالة التي أريد لفت الانتباه إتجاهها مسألة مهمة جداً، وتغيب، غالباً إن لكن دائماً، عنّا في عملية تقييم الأفكار والنظريات والنتائج، فالإيمان بالنتيجة دون الاخذ بأسبابها غير صحيح منطقياً، إلا أن يكون لدينا أسباب أخرى تقود الى هذه النتيجة التي نؤمن بها، أما عملية التقييم القائمة على الترغيبات النفسية، والاستذواقات المزاجية فهي لا تغني ولا تسمن من جوع في هذا المقام، وعلينا أن نلتفت خلال مساعي الاشارة والإشادة بأي فكرة الى منطلقاتها ونتائجها وملازماتها إذا ما أردنا أن نسير في خطى معرفية وازنة وراكزة.