هل نجحت الجمهورية الاسلامية بأحداث جلطة سياسية لترامب / 2..!
الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

إن الخطأ القاتل الذي ارتكبه ترامب هو دخوله المواجهة بعقلية رجل الأعمال الذي يبحث عن “صفقة سريعة” صاخبة عبر الإبهار الإعلامي والتهديد الوجودي. في المقابل، واجهته طهران بـ “العقل السجاداتي” القائم على النفس الطويل، والتفاوض تحت حافة الهاوية، وتفكيك عناصر الضغط تفصيلاً تلو الآخر
2 – سيكولوجية ترامب مقابل “العقل السجاداتي”
تمثلت الجلطة السياسية أيضاً في صراع الإرادات والسيكولوجيا السياسية بين الطرفين:
أ – اندفاع التاجر مقابل حياكة السجاد: دخل ترامب المواجهة بعقلية رجل الأعمال الذي يبحث عن “صفقة سريعة” صاخبة عبر الإبهار الإعلامي والتهديد الوجودي. في المقابل، واجهته طهران بـ “العقل السجاداتي” القائم على النفس الطويل، والتفاوض تحت حافة الهاوية، وتفكيك عناصر الضغط تفصيلاً تلو الآخر.
ب – شغف الصورة وكره التورط: اكتشفت طهران مبكراً المقايضة السيكولوجية لدى ترامب؛ فهو يعشق استعراض القوة وإطلاق التهديدات النارية على منصات التواصل، لكنه يرفض هيكلياً دفع الفاتورة البشرية والمالية لأي نزاع مسلح قد يهدد فرصه الانتخابية أو يعيد سيناريو غزو العراق. هذا الاكتشاف سمح لإيران برفع سقف التحدي العسكري (إسقاط الطائرة، وقصف عين الأسد) وهي مطمئنة أن الرد الأمريكي سيكون مكبوحاً.
3 – التآكل الإستراتيجي لنظام العقوبات (تأثير الارتداد)
وصلت سياسة “الضغط الأقصى” إلى حدها الأقصى (The\,Law\,of\,Diminishing\,Returns) دون تحقيق هدفها السياسي (تغيير السلوك أو النظام)، مما أحدث جموداً سياسياً كاملاً:
أ – استنفاد بنك الأهداف: عندما فرضت واشنطن عقوبات على المرشد الأعلى ووزير الخارجية والبنك المركزي، لم يتبقَ لديها أي أوراق ضغط اقتصادي إضافية لاستخدامها كحوافز أو أدوات تهديد. تحولت العقوبات من وسيلة ضغط ديناميكية إلى جدار جامد.
ب – تأسيس نظام موازٍ: دفعت هذه العقوبات المفرطة إيران إلى تطوير شبكات تهريب معقدة ونظام مالي موازٍ للالتفاف على الدولار، والأهم من ذلك، عجّلت بدمج الاقتصاد الإيراني في المنظومة الشرقية (عبر مبيعات النفط غير الرسمية للصين)، مما أضعف فاعلية السلاح المالي الأمريكي على المدى الطويل.
4 – شرخ الحلفاء الأطلسيين
عوضاً عن قيادة تحالف دولي موحد ضد طهران، تسببت سياسة ترامب الأحادية في إحداث شروخ تصدعية داخل الحلف الأطلسي:
ظهرت الولايات المتحدة في مظاهر بروتوكولية محرجة، حيث حاولت مراراً تمرير قرارات لتمديد حظر الأسلحة على إيران في مجلس الأمن، لتجابه برفض أو امتناع أقرب حلفائها الأوروبيين (باريس ولندن وبرلين).
دفع هذا الإرباك الأوروبيين إلى محاولة إنشاء آليات مالية مستقلة (مثل INSTEX) للتبادل التجاري مع إيران بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ورغم فشل الآلية عملياً، إلا أنها مثّلت سابقة خطيرة في محاولة التمرد الأوروبي على الإملاءات الاقتصادية لواشنطن.
ولتوسع اكثر في آفاق هذا المقال المعمق، ننتقل من مرحلة “إدارة حافة الهاوية” إلى تفكيك استراتيجية الصدمة المعاكسة التي مارستها طهران، والتي نقلت ترامب من موقع “المهاجم الاقتصادي” إلى موقع “المدافع الجيوسياسي” عبر ثلاثة أبعاد هيكلية:
1 – “معادلة الصفر النووي” وتحطيم الخطوط الحمر
كان المأزق الأكبر لإدارة ترامب هو تحول سياسة الضغط الأقصى إلى محفز أساسي لتسريع البرنامج النووي الإيراني، بدلاً من كبحه.
الانتقال من الدفاع إلى الهجوم التكنولوجي: ردت إيران على العقوبات بخرق منظم ومدروس لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي (JCPOA). لم يكن الخرق عشوائياً، بل شمل رفع نسب التخصيب إلى 20\% ثم إلى 60\% في منشأة “فوردو” المحصنة تحت الأرض، وتشغيل أجهزة طرد مركزي متطورة من جيل (IR-6).
تصفير القيمة الزمنية للاقتحام (Breakout\,Time): تسبب هذا الاندفاع في تقليص المدة الزمنية اللازمة لإنتاج مواد كافية للقنبلة النووية الأولى من “عام كامل” (حسب قيود الاتفاق) إلى “بضعة أسابيع” أو أيام. هذا التحول وضع إدارة ترامب أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بإيران كدولة على عتبة نووية، أو خوض حرب تدميرية الشكوك حيال نتائجها هائلة.
2 – “مأسسة” النفوذ الإقليمي (صدمة الشبكات)
اعتقد مهندسو الإدارة الأمريكية أن تجفيف منابع المال سيفكك شبكة الفصائل الحليفة لإيران في المنطقة (المحور الإقليمي). لكن النتيجة كشفت عن “عمى استراتيجي” أمريكي تجاه طبيعة هذه العلاقات:
الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتي الموضعي: طورت هذه الفصائل شبكات اقتصادية محلية موازية، ولم تعد تعتمد كلياً على التدفقات المالية المباشرة من طهران.
الانتقال إلى التصنيع المحلي المسير: تحولت فروع المحور (في اليمن، العراق، ولبنان) من مجرد مستورد للسلاح إلى مراكز تصنيع وتطوير للطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة. هذا الانتقال جعل استهداف المنشآت أو منع الإمدادات عبر البحر قليل الفدوى، حيث أصبحت التكنولوجيا والمواد الأولية متوفرة محلياً، وهو ما تجلى لاحقاً في فرض معادلات ردع إقليمية جديدة شلت حركة الملاحة واجترأت على القواعد الأمريكية دون قدرة واشنطن على وقفها جذرياً.
3 – الانزياح نحو “المنظومة الأوراسية” (كسر الهيمنة الأطلسية)
مثّل الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي نقطة التحول التاريخية التي دفعت إيران لإنهاء عقود من محاولات التوازن بين الشرق والغرب، والارتماء الكامل في أحضان القوى الأوراسية الصاعدة:
الشراكة الاستراتيجية مع الصين: صاغت طهران وبكين اتفاقية تعاون شاملة لـ 25 عاماً باستثمارات ضخمة، مما ضمن لإيران شريان حياة اقتصادي ومشترياً شبه دائم لنفطها عبر “أسواق الظل”، متجاوزة الحظر الأمريكي.
التحالف العسكري التكاملي مع روسيا: تحولت العلاقة مع موسكو من تنسيق موضعي في سوريا إلى تحالف استراتيجي وعسكري وثيق، تبادلت فيه الدولتان الخبرات التكنولوجية والعسكرية لمواجهة العقوبات الغربية المشتركة.
الخلاصة الإستراتيجية الشاملة:
تكمن “الجلطة السياسية” في أن واشنطن استخدمت أقصى ما تملك في ترسانتها غير العسكرية (السلاح المالي والدبلوماسي)، لكنها واجهت خصماً يمتلك قدرة فائقة على التكيف الجيوسياسي وتحمل الصدمات. النتيجة النهائية لم تكن مجرد فشل ترامب في تحقيق أهدافه، بل خروجه من البيت الأبيض في ولايته الأولى وقد ترك إيران: أكثر فتكاً وتطوراً في ملفها النووي، أكثر اندماجاً في المعسكرين الصيني والروسي، وأكثر جرأة على استهداف الأصول العسكرية الأمريكية بشكل مباشر.
نعم، نجحت إيران وبأمتيارفي إحداث “جلطة سياسية” واستراتيجية لترامب خلال ولايته الأولى، حيث أفشلت أهداف سياسة “الضغط الأقصى” وحولتها إلى طريق مسدود.
ويمكن تلخيص هذا النجاح الاستراتيجي في النقاط التالية:
1 – تصفير مكاسب الانسحاب: بدلاً من إجبار إيران على تفكيك برنامجها النووي، دفعتها العقوبات إلى رفع التخصيب لنِسَب غير مسبوقة (60\%)، مما قلّص “وقت الاقتحام” النووي إلى أيام.
2 – شلل خيار الحرب: نجحت طهران في قراءة نقطة ضعف ترامب الجوهرية (رغبته في الضغط الاقتصادي وخوفه من التورط في حرب ممتدة)؛ فعندما أسقطت طائرة “غلوبال هوك” وقصفت قاعدة “عين الأسد” رداً على اغتيال قاسم سليماني، اضطر ترامب لامتصاص الضربات تجنباً للمواجهة الشاملة.
3 – العزلة الأمريكية الدولية: أخفقت إدارة ترامب في حشد الحلفاء الأوروبيين الذين رفضوا إعادة فرض العقوبات الأممية عبر آلية “سناب باك”، مما عزل واشنطن دبلوماسياً في مجلس الأمن.
4 – الارتماء في الأحضان الأوراسية: سرّعت الضغوط الأمريكية من توقيع طهران اتفاقية الـ 25 عاماً مع الصين، وعمّقت تحالفها العسكري والجيوسياسي مع روسيا، مما أفقد العقوبات فاعليتها على المدى الطويل.
خلاصة القول : لم تكن “الجلطة السياسية” مجرد عجز عسكري أمريكي، بل كانت عجزاً إستراتيجياً وبنيوياً. لقد اصطدمت القوة الغاشمة والأحادية لإدارة ترامب بجدار من المناورة الجيوسياسية المعقدة، لينتهي المطاف بترك ملف إيران النووي والإقليمي أكثر تعقيداً، وأقرب إلى خطوط حمر جديدة، مما جعل ترامب يغادر ولايته الأولى دون “الصفقة الكبرى” التي وعد بها، ودون استسلام الخصم.




