الثلاثاء - 23 يونيو 2026

هل نجحت الجمهورية الاسلامية بأحداث جلطة سياسية لترامب / 1؟!

منذ 55 دقيقة
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

إن الخطأ القاتل الذي ارتكبه ترامب هو دخوله المواجهة بعقلية رجل الأعمال الذي يبحث عن صفقة سريعةصاخبة عبر الإبهار الإعلامي والتهديد الوجودي. في المقابل، واجهته طهران بـ العقل السجاداتيالقائم على النفس الطويل، والتفاوض تحت حافة الهاوية، وتفكيك عناصر الضغط تفصيلاً تلو الآخر.

 الايرانيون ليسوا فقط بارعين في صناعة السجاد اليدوي الذي يحتاج الى الصبر والتحمل والدقة ، حيث يمكننا ان نقول نعم الف مرة حيث شكّلت السياسة الإيرانية مواجهة معقدة ومربكة لإدارة دونالد ترامب الأولى، وهو ما يمكن وصفه مجازياً بـ الجلطة السياسيةنتيجة تضارب الاستراتيجيات واصطدام سياسة الضغط الأقصىبحائط الصدا والصبر الاستراتيجيالنشط الذي مارسته طهران.

الجلطة السياسية هي مصطلح مجازي يُستخدم في العلوم السياسية والتحليل الاستراتيجي لوصف حالة من الشلل التام المفاجئ أو التصلب الذي يصيب مفاصل صناعة القرار في الدولة، مما يؤدي إلى عجزها عن الاستجابة للأزمات أو إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بكفاءة. تماماً كالجلطة الطبية التي تحبس الدم عن الشرايين، فإن الجلطة السياسية تحبس تدفق القرارات والحلول داخل جسد الدولة.
​إليك مقالاً تحليلياً يفكك هذا المفهوم، أسبابه، وتداعياته على الأمن القومي والاستقرار الاستراتيجي:
​مفهوم الجلطة السياسية: عندما يصاب جسد الدولة بالشلل الاستراتيجي
​في عالم السياسة وإدارة الدول، تحرص الأنظمة على بقاء الدورة الدمويةلصناعة القرار نشطة ومرنة لضمان البقاء والاستمرارية. لكن في بعض المنعطفات التاريخية، قد يصاب النظام السياسي بما يمكن تسميته بـ الجلطة السياسية” (Political Thrombosis). هذا المفهوم لا يعبر عن مجرد أزمة عابرة أو خلاف حزبي تقليدي، بل يمثل انسداداً هيكلياً حاداً يمنع الدولة من اتخاذ أي خطوة إلى الأمام.
1 –  الأسباب الحتمية لحدوث الجلطة السياسية
​تتشكل الجلطة السياسية نتيجة تراكمات وممارسات خاطئة داخل بنية النظام، ومن أبرز عوامل تشكلها:
​تصلب الشرايين المؤسسية: غياب التجديد والنخب الشابة، واعتماد الشيخوخة السياسية الفكرية التي تعجز عن مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة الصراع الحديثة (مثل الحروب السيبرانية والمعرفية).
​الاستقطاب الحاد وتوازن التعطيل: عندما تصل القوى السياسية المتنافسة إلى مرحلة كسر العظمحيث يملك كل طرف القدرة على تعطيل الآخر دون القدرة على الحسم، مما ينتج عنه شلل تشريعي وتنفيذي كامل.
​تغلغل الفساد الهيكلي: تحول مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات تبحث عن مصالحها الضيقة، مما يعيق اتخاذ أي قرار إصلاحي قد يهدد هذه المصالح.
​ارتهان القرار للخارج (التبعية الاستراتيجية): عندما يصبح القرار السيادي مرهوناً بتوافقات دولية أو إقليمية (صراع الوكلاء)، تفقد الدولة قدرتها الذاتية على الحركة وتنتظر الضوء الأخضرالذي قد لا يأتي سريعاً.
2 – المظاهر والتداعيات على الأمن القومي
​تتجلى الجلطة السياسية في عدة مظاهر شديدة الخطورة تؤثر مباشرة على الاستقرار الاستراتيجي للدولة:
​العجز عن اتخاذ القرارات المصيرية: الوقوف بموقف المتفرج أمام الأزمات الاقتصادية الطاحنة أو التهديدات الأمنية الوجودية، وهو ما يُعرف بـ الجمود الاستراتيجي“.
​تآكل الردع السيادي: عندما تلاحظ القوى المعادية أن مركز القرار في الدولة مصاب بالشلل، فإن ذلك يغريها بشن عمليات هجومية (سواء عسكرية، اقتصادية، أو معرفية) لعلمها غياب الرد الحاسم.
​تنامي الفجوة بين السلطة والمجتمع: يفقد المواطن ثقته في قدرة الدولة على حمايته أو إدارة شؤونه، مما يمهد الطريق لانتشار الفوضى أو بروز قوى موازية غير شرعية لسد الفراغ.
3 – سبل العلاج والوقاية الاستراتيجية
​إن علاج الجلطة السياسية يتطلب جراحة استراتيجية عاجلة، لا تجدي معها المسكنات المؤقتة. وتتمثل الحلول في:
​ضخ دماء جديدة: تفعيل مبدأ تداول السلطة وإشراك كفاءات قادرة على التفكير الديناميكي خارج الأطر التقليدية.
​إعادة هيكلة مراكز صنع القرار: بناء مجالس أمن قومي ومؤسسات استشارية مرنة قادرة على التنبؤ بالأزمات وصياغة استراتيجيات بديلة” (Plan B) تضمن تدفق القرارات تحت أي ظرف.
​تغليب المصلحة العليا (المعادلة الصفرية للخصوم): إدراك النخب السياسية أن استمرار الشلل سيعصف بالجميع، مما يفرض الوصول إلى تسويات تاريخية تحمي كيان الدولة من الانهيار التام.
​خلاصةالقول :  إن الجلطة السياسية هي المؤشر الأخطر على ضعف المناعة الاستراتيجيةللدولة. وإذا لم يتم تداركها عبر إصلاحات هيكلية جريئة وإعادة تفعيل قنوات صنع القرار، فإنها تؤدي حتماً إلى موت سريريللمؤسسات، مما يجعل الدولة لقمة سائغة في حروب المعادلات الدولية والإقليمية المعقدة.

سياق الصدمة والاضطرابفي استراتيجية ترامب
​عندما تولى ترامب الرئاسة، اعتمد استراتيجية واضحة تهدف إلى تفكيك الإرث السياسي لسلفه باراك أوباما، وكان الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) الهدف الأول.
​الانسحاب الأحادي: في مايو 2018، أعلن ترامب انسحاب واشنطن من الاتفاق وإعادة فرض عقوبات اقتصادية شلّت قطاع النفط الإيراني.
​الهدف المعلن: خنق الاقتصاد الإيراني لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات لتوقيع اتفاق أفضليشمل برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
​كيف تحول الضغط إلى جلطة سياسيةوإرباك؟
​لم تنهار طهران اقتصاديًا أو سياسيًا بالشكل الذي توقعته إدارة ترامب، بل أدارت الأزمة عبر خطة مضادة سببت إرباكاً وحرجاً كبيراً لمهندسي السياسة الخارجية الأمريكية (مثل جون بولتون ومايك بومبيو) من خلال عدة محاور:
1 –  “الصبر النشطومبدأ الردع المقابل
​لم تكتفِ إيران بالانتظار، بل انتقلت من الصبر الاستراتيجيإلى الردع النشط، مما فاجأ واشنطن وحلفاءها:
​حرب الناقلات وإسقاط غلوبال هوك“: في يونيو 2019، أسقطت إيران طائرة مسيرة أمريكية متطورة فوق مضيق هرمز. تراجع ترامب عن توجيه ضربة عسكرية انتقامية في الدقائق الأخيرة، خشية الانجرار إلى حرب شاملة، وهو ما كشف حدود القوة العسكرية الأمريكية أمام حلفائه.
​استهداف المنشآت النفطية (بقيق وخريص): شكّل الهجوم على أرامكو في سبتمبر 2019 صدمة للمنظومة الأمنية الحليفة لواشنطن، حيث أثبتت طهران قدرتها على شلّ إمدادات الطاقة العالمية دون رد فعل عسكري أمريكي مباشر.
2 – معضلة الاغتيال ورد الفعل (صفعة عين الأسد)
​وصلت ذروة التصعيد إلى قرار ترامب اغتيال الجنرال قاسم سليماني في بغداد (يناير 2020). ورغم أن العملية رُوج لها كإنجاز كبير، إلا أنها وضعت الإدارة الأمريكية في مأزق سياسي وأمني غير مسبوق:
​الرد الصاروخي المباشر: استهدفت إيران قاعدة عين الأسدالعراقية التي تضم قوات أمريكية بضربات صاروخية علنية ومباشرة.
​الإرباك السياسي: كان ترامب قد هدد سابقاً بقصف 52 موقعاً إيرانياً إذا ردت طهران، لكنه اضطر لامتصاص الضربة ووصف الإصابات في صفوف جنوده (ارتجاج الدماغ) بأنها مجرد صداع عادي، لتجنب الحرب الشاملة التي طالما هرب منها إيفاءً بوعوده الانتخابية.
3 – العزلة الدولية لواشنطن
​بدلاً من عزل إيران، وجدت الولايات المتحدة نفسها معزولة سياسياً في مجلس الأمن الدولي:
​فشل آلية سناب باك” (Snapback): حاولت إدارة ترامب تفعيل آلية إعادة العقوبات الأممية التلقائية ضد إيران، لكن الحلفاء الأوروبيين (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) إلى جانب روسيا والصين، رفضوا الخطوة الأمريكية واعتبروها غير قانونية لأن واشنطن انسحبت بالفعل من الاتفاق.
​”
معادلة الصفروالنتيجة العكسية
​تجلت الجلطة السياسيةفي كون سياسة ترامب حققت نتائج عكسية تماماً لما كان يطمح إليه:
​تخفيض الالتزامات النووية: رفعت إيران نسب تخصيب اليورانيوم إلى 20\% ثم 60\%، وهي مستويات غير مسبوقة وضعتها على حافة القدرة الاقتحاميةلإنتاج سلاح نووي.
​الارتماء في أحضان الشرق: دفعت الضغوط الأمريكية طهران نحو توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي لمدة 25 عاماً مع الصين، وتعميق التحالف العسكري والسياسي مع روسيا.

​الجميع اصبح مقتنعا ومتفقاً من نجاح إيران في قراءة نقطة ضعف ترامب الجوهرية: رغبته الشديدة في ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي واللفظي، مقابل خوفه الشديد من الانخراط في حرب ممتدة جديدةفي الشرق الأوسط. هذه الفجوة استغلتها طهران بذكاء عبر إدارة (( حافة الهاوية ))، مما أصاب استراتيجية الضغط الأقصىبالشلل والجمود، وترك إدارة ترامب الأولى دون اتفاق جديد ودون حرب حاسمة، وهو التجسيد الفعلي للمأزق أو الجلطةالسياسية.

ومن أجل إثراء المقال وتعميقه أكثر، يمكننا تفكيك المشهد الإستراتيجي عبر تظهير معادلة الاشتباك الحرجوتحليل الأبعاد البنيوية والنفسية التي جعلت من السلوك الإيراني بمثابة جلطةحقيقية لصانع القرار الأمريكي في إدارة ترامب الأولى، وذلك عبر المحاور المتقدمة التالية:
1 – معضلة الردع غير المتماثلوصدمة الحسابات الرقمية
​اعتمدت إدارة ترامب على حسابات القوة الصلبة (القدرات العسكرية التقليدية، حجم الناتج المحلي، السيطرة على النظام المالي العالمي SWIFT). من منظور واقعي كلاسيكي، كان يُفترض أن يؤدي هذا الاختلال الهائل في ميزان القوى إلى استسلام طهران في غضون أشهر.
​لكن الصدمة السياسيةنبعت من إدراك واشنطن المتأخر لـ عقيدة الحرب غير المتماثلة الإيرانية:
​نقل المعركة إلى المنطقة الرمادية“: أدارت إيران الصراع في مساحة تقع بين الحرب والسلم؛ حيث نفذت عمليات باليستية وبالمسيّرات دون ترقيع بصمات رسمية مباشرة في بعض الأحيان (كحادثة أرامكو)، مما حرم الولايات المتحدة من ذريعة شرعية واضحة لإعلان الحرب.
​القدرة على تحمل الألم (Pain\,Tolerance): أخطأت واشنطن في تقدير بنية النظام الإيراني وقدرته على تسييس الاقتصاد وتحويل الضغط الخارجي إلى أداة لتعزيز التعبئة الأيديولوجية الداخلية، مستنداً إلى عقيدة اقتصاد المقاومة“.

 

يتبع إن شاء الله