الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ يوم واحد
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

للانتقال بالمقال إلى مستوى التخصيص الاستراتيجي والدقة البنيوية، يجب تسييل المفاهيم العامة إلى معادلات ميدانية وجيوسياسية ملموسة تحكم المرحلة الحالية.
إليك الصياغة التخصصية المعمقة للمقال:
ملامح النظام الإقليمي الجديد: القراءة البنيوية لنتائج كسر “الهندسة الأمريكية-الإسرائيلية”
لم يعد الصراع في الشرق الأوسط يدار بعقلية الجولات العسكرية المؤقتة، بل انتقل قطعيّاً إلى طور تثبيت نتائج الانكسار الاستراتيجي للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي. هذا الانكسار لم يكن ناتجاً عن تفوق في القوة التقليدية، بل عن تفكيك ركائز الهيمنة الغربية عبر أربعة محاور تخصصية دقيقة:
1 – هندسة “حرب المعادلات الجيو-اقتصادية” (Geo-Economic Asymmetry)
أبرز نتائج كسر المشروع تجلت في فرض معادلة الاستنزاف المالي واللوجيستي المتبادل وبكلفة غير متكافئة، حيث تم إسقاط الجدوى الاقتصادية للمنظومات الدفاعية الغربية:
معادلة الكلفة العكسية: نجح المحور في فرض واقع عسكري تستهلك فيه الجيوش النظامية (الأمريكية والإسرائيلية) صواريخ اعتراضية (مثل Arrow 3 وPatriot) تتراوح كلفتها بين 1 إلى 3.5 مليون دولار، لتحييد مسيرات انقضاضية أو صواريخ كروز مطورة محلياً لا تتعدى كلفة إنتاجها بضعة آلاف من الدولارات.
جيوسياسية المضائق والأمن السلاسل الإمدادية: تحول اليمن من جبهة إسناد إلى لاعب جيواستراتيجي يتحكم في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. هذا التموضع نقل التأثير من المستوى المحلي إلى خنق سلاسل الإمداد الدولية واضطرار شركات الملاحة العالمية للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل الاستقرار في غزة وبيروت شرطاً إلزامياً لأمن التجارة الدولية.
2 – سقوط عقيدة “بليتزكريغ” الصهيونية وتحولها إلى “الحرب المستدامة”
تأسست العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخياً على ثلاثة ركائز: (الإنذار المبكر، الردع الصارم، والحسم السريع في أرض العدو). نتائج المعركة الحالية أدت إلى تصفير هذه العقيدة بنيوياً:
مأزق حرب الاستنزاف الطويلة (War of Attrition): لا تمتلك البيئة الديمغرافية والاقتصادية للكيان القدرة على تحمل حرب ممتدة برأس مال بشري معطل (احتياط) وشلل في قطاعات حيوية مثل الهايتك والسياحة وموانئ حيفا وإيلات.
تآكل الميزة الوظيفية للكيان: تحولت إسرائيل من “ذراع متقدم” يحمي المصالح النفطية والجيوسياسية الأمريكية في المنطقة، إلى “عبء أمني وعسكري” مباشر يتطلب وجود حوامل طائرات أمريكية وجسور جوية مستمرة من الذخائر لحمايته، وهو ما يسقط جدواه الاستراتيجية على المدى البعيد لدى صانع القرار في واشنطن.
3 – الانتقال من “الهياكل الهرمية” إلى “الشبكات اللامركزية الحيوية”
على الصعيد العسكري والتكتيكي، أثبتت هذه المرحلة فشل “استراتيجية قطع الرأس” (Decapitation Strategy) التي اعتمدها العدو عبر الاغتيالات الواسعة للقيادات:
المرونة البنيوية للمقاومة: أثبتت الأنظمة العسكرية للمحور أنها تعمل كـ شبكات لا مركزية ذاتية التغذية والتحكم (Autonomous Network Nodes). غياب أو استشهاد القيادة المركزية لا يشل مفاصل الحركة؛ لأن الوحدات الميدانية تمتلك خططاً عملياتية مستقلة، ومخازن تحت أرضية محصنة، وسلاسل تصنيع ذاتي لا تعتمد على الإمداد الخارجي اللحظي.
4 – التشابك العضوي مع “المظلة الأوراسية” (The Eurasian Alignment)
تتطابق نتائج كسر هذا المشروع إقليمياً مع التراجع التدريجي للأحادية القطبية الأمريكية عالمياً:
تكامل الأمن الأوراسي-الشرق أوسطي: شكل الصعود الروسي الصيني، المترابط مع النفوذ الإقليمي الإيراني، حائط صد جيوسياسي. الدعم التكنولوجي المتبادل، والاندماج في تكتلات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي، وإعادة تفعيل ممرات التجارة البرية (ممر الشمال-الجنوب)، كلها عوامل أفرغت سلاح “الحصار والدولار الأمريكي” من محتواه العقابي.
أي يمكننا أن نقول من إن المرحلة الجديدة المسماة “نتائج كسر المشروع” لا تعني العودة إلى ترتيبات ما قبل الحرب، بل تعني الانتقال الرسمي إلى الشرق الأوسط متعدد الأقطاب. لقد صاغت المقاومة بأدواتها العسكرية والجيو-اقتصادية واقعاً باتت فيه أي معادلة أمنية أو سياسية في المنطقة مستحيلة التطبيق دون المرور بـ “فيتو” المحور وثوابته الميدانية.
تتحرك المنطقة اليوم في إطار “انتقال جيوسياسي شامل” يسدل الستار على حقبة الأحادية الأمريكية، ليؤسس لنظام إقليمي متعدد الأقطاب تهيمن عليه معادلات الردع المتبادل. هذا التحول الشامل يتجاوز التفاصيل العسكرية المباشرة ليعيد صياغة خمسة أبعاد بنيوية متكاملة (عسكرية، وجيواستراتيجية، واقتصادية، ومعرفية، ودولية) على النحو التالي:
1 – البعد العسكري التكتيكي: “اللامركزية الشبكية” وتصفير التفوق الجوي
أثبتت معطيات كسر المشروع سقوط عقيدة “الصدمة والترويع” وحسم المعارك عبر سلاح الجو والتفوق التكنولوجي المطلق:
بنية “الشبكات الحيوية اللامركزية” (Vibrant Decentralized Networks): استبدل المحور الهياكل العسكرية الهرمية الكلاسيكية (التي يسهل شلّها باستهداف القيادات) ببنية شبكية مرنة. كل عقدة ميدانية تمتلك استقلالية كاملة في اتخاذ القرار وإدارة النار والتموين، مما جعل “استراتيجية قطع الرأس” عبر الاغتيالات ذات أثر تكتيكي مؤقت لا يغير المسار الاستراتيجي.
توطين التكنولوجيا العسكرية وتأصيلها: تحول المحور من مرحلة استهلاك السلاح أو تلقيه عبر الحدود إلى مرحلة “التصنيع الذاتي الكامل” (الذخائر الذكية، المسيرات الانقضاضية، والصواريخ الفرط صوتية والدقيقة). هذا التوطين حيّد مفاعيل الحصار الجغرافي، وفرض معادلة استنزاف مالي غير متكافئة (صاروخ دفاع جوي بمليون دولار لإسقاط مسيرة بألف دولار).
2 – البعد الجيواستراتيجي: سقوط “عزل الساحات” وولادة “الترابط العضوي”
فشل المخطط الأمريكي-الإسرائيلي القائم على الاستفراد بكل ساحة على حدة لتفكيك مفاصل المقاومة تدريجياً، وولدت مكانه هندسة جغرافية معاكسة:
وحدة المصير العملياتي اللحظي: تحولت الجبهات من حالة “التضامن السياسي” إلى “التكامل الميداني المتزامن”. هذا الترابط الجغرافي العابر للحدود (من طهران وبغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء وغزة) خلق بيئة أمنية دائرية ومحيطة بالكيان، مما أفقد واشنطن وتل أبيب القدرة على المناورة المنفردة.
سلاح الممرات البحرية كأداة ردع دولية: إن دخول جبهات استراتيجية (كاليمن) على خط خنق الملاحة الدولية في باب المندب، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، نقل المعركة من مستواها الإقليمي إلى مستوى عالمي؛ حيث بات أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية رهناً بالاستقرار في غزة وبيروت.
3 – البعد الجيواقتصادي: تفكيك سلاح الحصار المالي والدولاري
يتكامل كسر المشروع عسكرياً مع صياغة بدائل اقتصادية تضعف النفوذ الغربي:
السيادة الاقتصادية البديلة: يتجه المحور نحو تفعيل ممرات تجارية برية بديلة (مثل ممر الشمال-الجنوب)، والاندماج في تكتلات صاعدة (مثل بريكس ومنظمة شنغهاي)، وتفعيل التبادل التجاري بالعملات المحلية، مما أفرغ سلاح “العقوبات الاقتصادية الخانقة” من محتواه العقابي.
استنزاف الخزان المالي للغرب: فرض مواجهة عسكرية غير متكافئة اقتصادياً؛ حيث تُستنزف المنظومات الدفاعية الغربية والإسرائيلية لمنع مسيرات وصواريخ كلفة إنتاجها لا تتعدى آلاف الدولارات، مما يحول الحرب إلى استنزاف مالي طويل الأمد لداعمي الكيان.
4 – البعد المعرفي والسيكولوجي: تآكل “الوظيفة الاستراتيجية” للكيان
أحدث كسر المشروع تصدعاً غير مسبوق في الوعي البنيوي للمعسكر المقابل:
انكسار عقيدة الأمن المطلق: تحولت الجبهة الداخلية الإسرائيلية لأول مرة منذ عام 1948 إلى ساحة معركة أساسية ومستدامة، مما أنتج أزمات وجودية كـ “الهجرة العكسية”، وفقدان الثقة بالمؤسستين العسكرية والسياسية، وتحول الكيان من “ملجأ آمن” إلى البقعة الأكثر خطراً.
التحول من “ذراع حامٍ” إلى “عبء أمني”: تأسست إسرائيل لتعمل كقاعدة عسكرية متقدمة لحماية المصالح الغربية في الشرق الأوسط. النتائج الحالية حوّلتها إلى عبء يستنزف المخزون الاستراتيجي الأمريكي ويتطلب تدخلاً عسكرياً وجسوراً جوية مستمرة لحمايتها، مما يسقط مبرر وجودها الوظيفي لدى صانع القرار الغربي على المدى البعيد.
5 – البعد الدولي: التموضع المباشر في النظام متعدد الأقطاب
يرتبط كسر هذا المشروع الإقليمي ارتباطاً وثيقاً بتراجع الأحادية القطبية الأمريكية على مستوى العالم:
المظلة الجيوسياسية الأوراسية: شكل التشابك الاستراتيجي والأمني بين إيران وكل من روسيا والصين حائط صدٍ منع الولايات المتحدة من الاستفراد بالمنطقة سياسياً أو عسكرياً، وحوّل قوى المقاومة من تصنيف الغرب كـ “جهات فاعلة من غير الدول” (Non-State Actors) إلى قوة إقليمية شرعية تفرض شروطها في الاتفاقيات الدولية انطلاقاً من فائض قوتها الميدانية.
خلاصة استشرافية شاملة:
إن مرحلة “نتائج كسر المشروع الأمريكي الإسرائيلي” هي إعلان رسمي عن انتهاء الحقبة الاستعمارية الأحادية في الشرق الأوسط. لقد انتقلت قوى المقاومة نهائياً من خانة “الدفاع عن الوجود والاستيعاب” إلى خانة “الهندسة السيادية للنظام الإقليمي البديل”، حيث باتت أي معادلة أمنية، سياسية، أو اقتصادية في هذه المنطقة مستحيلة التطبيق دون المرور بـ “فيتو” المحور والاعتراف بمصالحه وثوابته الميدانية.

وللانتقال بمقالنا هذا إلى أقصى درجات التفصيل البنيوي لعنوانك الأصلي (“مشروع إنهاء إيران والمقاومة في المنطقة سقط، وبالتالي هناك مرحلة جديدة اسمها نتائج كسر المشروع الأمريكي الإسرائيلي”)، سنقوم بتشريح كل مفردة في العنوان وتحويلها إلى معادلة استراتيجية ملموسة:
ملامح النظام الإقليمي الجديد: القراءة البنيوية لنتائج كسر “الهندسة الأمريكية-الإسرائيلية”
مقدمة المقال تتجاوز فكرة العرض الإخباري لتؤكد أن: سقوط مشروع إنهاء إيران والمقاومة ليس حدثاً عسكرياً عابراً، بل هو نقطة انقطاع تاريخية (Historical Discontinuity) أسقطت مفاعيل “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشرت به واشنطن، ودشنت مرحلة تثبيت المعادلات البديلة.
أولاً: تشريح السقوط البنيوي لـ “مشروع الإنهاء”
تأسس مشروع الإنهاء الأمريكي-الإسرائيلي على فرضية القدرة على تفكيك قوى المقاومة عبر “صدمات عسكرية خاطفة” متتالية. إلا أن السقوط الاستراتيجي لهذا المشروع نتج عن تفكيك ركائزه كالتالي:
1 – فشل استراتيجية “قطع الرأس” واغتيال القيادات
اعتمد العدو بكثافة على الاغتيالات كأداة لشل المحور، لكن النتيجة الميدانية أثبتت تحول المقاومة إلى شبكات لا مركزية ذاتية التحكم (Autonomous Network Nodes):
المرونة الهيكلية: غياب القيادة المركزية لم يؤدِّ إلى انهيار القواعد؛ لأن الوحدات الميدانية تمتلك خططاً عملياتية مستقلة، ومخازن تحت أرضية محصنة، وسلاسل تصنيع ذاتي لا تعتمد على الإمداد اللحظي.
2 – سقوط عقيدة “بليتزكريغ” (الحسم السريع) الإسرائيلية
تاريخياً، قام أمن الكيان على فرضية “نقل المعركة إلى أرض العدو وحسمها بسرعة”. نتائج المعركة الحالية فرملت هذه العقيدة بالكامل:
مأزق حرب الاستنزاف الممتدة (War of Attrition): أُجبر الكيان على خوض حرب طويلة استنزفت بنيته الديمغرافية (تعطيل الاحتياط) واقتصاده (شلل قطاعات الهايتك، السياحة، وموانئ إيلات وحيفا)، وهو نمط حروب لا يمتلك الكيان مقومات البقاء تحته دون مساعدة خارجية مطلقة.
ثانياً: ملامح المرحلة الجديدة (نتائج كسر المشروع)
الدخول في مرحلة “ما بعد كسر المشروع” يعني الانتقال من طور “الدفاع والاستيعاب” إلى طور “الهندسة الجيوسياسية الشاملة”، وتتجلى نتائجها في الأبعاد التالية:
1 – هندسة “حرب المعادلات الجيو-اقتصادية” والكلفة العكسية
أبرز نتائج كسر المشروع هو فرض واقع عسكري تستهلك فيه الجيوش النظامية الغربية مخزونها الاستراتيجي بكلفة غير متكافئة:
معادلة الكلفة: استهلاك صواريخ اعتراضية (مثل Arrow 3 وPatriot) تتراوح كلفتها بين 1 إلى 3.5 مليون دولار، لتحييد مسيرات انقضاضية أو صواريخ كروز مطورة محلياً لا تتعدى كلفة إنتاجها بضعة آلاف من الدولارات.
2 – جيوسياسية المضائق والأمن الملاحي العالمي
تحول الجغرافيا البحرية للمحور (تحديداً جبهة اليمن في باب المندب والبحر الأحمر) من دور الإسناد الموضعي إلى لاعب دولي:
الربط الاستراتيجي: خنق سلاسل الإمداد الدولية واضطرار شركات الملاحة العالمية للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، جعل الاستقرار في غزة وبيروت شرطاً إلزامياً لأمن التجارة والاقتصاد العالمي.
3 – تآكل الميزة الوظيفية للكيان الصهيوني
النتيجة الأكثر خطورة على مستقبله؛ حيث تحولت إسرائيل من “ذراع متقدم” يحمي المصالح النفطية والجيوسياسية الأمريكية، إلى “عبء أمني وعسكري” مباشر يتطلب وجود حوامل طائرات وجسور جوية مستمرة لحمايته، مما يسقط جدواه الاستراتيجية على المدى البعيد لدى صانع القرار في واشنطن.
ثالثاً: التكامل الإقليمي والمظلة الدولية البديلة
تتطابق نتائج كسر هذا المشروع إقليمياً مع التراجع التدريجي للأحادية القطبية الأمريكية على مستوى العالم، مما منح الطور الجديد أبعاداً دولية:
المظلة الجيوسياسية الأوراسية: شكل التشابك الاستراتيجي والأمني بين إيران وكل من روسيا والصين حائط صدٍ منع الولايات المتحدة من الاستفراد بالمنطقة عبر العقوبات أو التهديد العسكري في مجلس الأمن.
السيادة الاقتصادية البديلة: تفعيل ممرات تجارية برية جديدة (مثل ممر الشمال-الجنوب)، والاندماج في تكتلات صاعدة (مثل بريكس ومنظمة شنغهاي)، والتعامل بالعملات المحلية، مما يمهد لكسر الهيمنة المطلقة للدولار الأمريكي كأداة للعقاب السياسي.
وفي الختام يمكننا القول من إن مرحلة “نتائج كسر المشروع” لا تعني العودة إلى ترتيبات ما قبل الحرب، بل تعني الانتقال الرسمي إلى الشرق الأوسط متعدد الأقطاب. لقد صاغت المقاومة بأدواتها العسكرية والجيو-اقتصادية واقعاً باتت فيه أي معادلة أمنية، سياسية، أو اقتصادية في المنطقة مستحيلة التطبيق دون المرور بـ “فيتو” المحور والاعتراف بمصالحه وثوابته الميدانية، لتتحول واشنطن من طور “صناعة الخرائط” إلى طور “الحد من الخسائر”.