الثلاثاء - 23 يونيو 2026

بين قميصٍ يُقدَّس.. ودمٍ يُستباح.. قراءة في مفارقة الوعي الإسلامي المأزوم..!

منذ يوم واحد
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

الشيخ قاسم ال ماضي ||

 

 

 

شهد التاريخ الإسلامي، ولا يزال، مفارقات فكرية وعاطفية تستدعي التوقف الطويل والقراءة الفاحصة؛ كونها تكشف عن خلل بنيوي في ترتيب المقدسات، وفي ميزان الغضب والولاء والانتماء لدى قطاعات واسعة من الأمة. ومن أبرز هذه المفارقات المؤلمة، تلك الازدواجية في التعامل مع الآثار المادية المنسوبة للرسول صلئ الله عليه واله وسلم مقابل التعامل مع امتداده الإنساني والرسالي المتمثل في أهل بيته الأطهار (عليهم السلام).

من الطبيعي أن يسري حب رسول الله صلئ الله علية واله وسلم في قلوب المسلمين، وأن ينعكس هذا الحب تعظيماً لكل ما انتسب إليه. فلو أُعلن اليوم عن وجود قميص أو رداء أو بردة منسوبة إلى النبي في أحد المتاحف، وتعرض هذا الأثر لشيء من الإساءة أو الدنس، لثارت عواطف الأمة، ولاضطربت النفوس، وارتفعت صيحات الاستنكار الغاضبة التي ترى في هذا الفعل عدواناً مباشراً على مقام النبوة نفسه.

هذا الانفعال -في أصل المحبة- مفهوم ومبرر، لكنه يضعنا أمام سؤال جوهري ومصيري لا يمكن التهرب منه: **إذا كانت الأمة تغضب لقميصٍ منسوبٍ إلى نبيها، فكيف لم تغضب -بل كيف رضي بعض أبنائها- يوم سُفك دم سبطه الحسين بن علي (عليه السلام).

إن القميص، مهما عظمت رمزيته العاطفية، يبقى في النهاية قطعة قماش صامتة، وأثراً مادياً قد يُختلف حتى في صحة نسبته التاريخية. ومع ذلك، يُبذل لأجله كل هذا الغضب. أما الحسين (عليه السلام)، فليس قطعة قماش ولا أثراً ماديّاً مشكوكاً فيه؛ إنه ابن فاطمة الزهراء، وسبط النبي، وريحانته التي قال فيها المصطفى صراحةً:… .(حسينٌ مني وأنا من حسين).

إن هذا الحديث النبوي الشريف يتجاوز حدود القرابة النسبية ليؤكد اتصالاً وجودياً ورسالياً عميقاً، يجمع بين النبي وسبطه، مما يجعل أي مساس بالحسين مساساً مباشراً بالرسول وبجوهر الرسالة الإسلامية.

ففي فاجعة كربلاء اختلالت المعايير
هنا تنفجر المفارقة التاريخية الكبرى؛ فبالرغم من هذا البيان النبوي المتواتر، وهذه المنزلة الرفيعة، خرج جيش يدعي الإسلام ليحاصر الحسين، ويمنع عنه وعن أطفاله الماء، ثم يقتله ويرفع رأسه الشريف على الرماح، تاركاً جسده الطاهر على رمضاء كربلاء.

هذا المشهد يضع الوعي الإسلامي أمام اختبار حقيقي: كيف يُستباح دم الحسين ويُدافع في الوقت ذاته عن القميص؟ وكيف تُستثار الأمة لثوبٍ لامس الجسد الشريف، بينما تقف متفرجة أو متواطئة أمام مقتل جسد هو بضعة من جسد رسول الله، وروح هي من روحه؟

إن هذه الازدواجية لم تقف عند حدود الواقعة التاريخية في كربلاء عام للهجرة،61 بل امتدت لتلقي بظلالها على الوعي المعاصر. ونرى تجليات ذلك اليوم في قبول البعض وتبركهم بشعرة أو قطعة قماش منسوبة للنبي، في حين تثار الاعتراضات والاتهامات بالبدعة والغلو والإنحراف بمجرد الحديث عن زيارة مراقد أهل البيت (عليهم السلام) )و التعلق الروحي بها. أليس من عجب العجاب أن يُعظم الجماد المتصل بالنبي، ويُنتقص أو يُجفى الإنسان الذي هو امتداده المعرفي والروحي والدموي.

ان جذور الأزمة: عاطفة بلا بصيرة
إن المشكلة هنا لا تكمن في أصل حب النبي، فحبه دين، ولكن الخلل يكمن في “اختلال ميزان الحب”، وتحوله إلى عاطفة مجردة من البصيرة والموقف. عندما تغضب الأمة للثوب ولا تغضب للدم، وعندما ترفع شعارات المحبة لنبيها ثم تقف موقفاً بارداً أو جافاً من عترته، فإن ذلك يشير إلى أزمة وعي عميقة، وليس مجرد نقص في المعلومات التاريخية.

هذا الانفصام لم يكن وليد الغفلة أو المصادفة، بل هو ثمرة تراكمات سياسية وفكرية طويلة عبر التاريخ، سعت جاهدة لفصل الأمة عن مراكز هدايتها الحقيقية. لقد أُريد للعلاقة مع النبي أن تكون علاقة عاطفية شكلية، لا تترتب عليها مواقف عملية أو التزامات تجاه عترته وأهل بيته الذين أُقصوا عن موقعهم القيادي والمعرفي الذي أراده الله ورسوله لهم إن قدسية الإنسان الرسالي أعظم بكثير من قدسية القماش، وحرمة دم ابن بنت رسول الله أعلى من حرمة ألف أثر مادي. إن حب النبي (صلئ الله عليه واله )
لا يستقيم أبداً في وعي الأمة إذا عُظمت الآثار المادية وهُمشت العترة الطاهرة.

لم يكن الحسين (عليه السلام) يوماً حادثة تاريخية عابرة تُروى وتُنسى، بل هو الميزان الحقيقي لصدق الولاء لرسول الله. إنه الامتحان الذي يكشف ما إذا كان حبنا للنبي حباً حقيقياً واعياً، أم مجرد انفعال طقوسي يسكت عن الحقائق الجوهرية. إن إنصاف أهل البيت، ورد الاعتبار للدم الذي سُفك في كربلاء عبر إحياء منهجهم والسير على خطاهم، هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن للوعي الإسلامي المأزوم، فدم الحسين أبلغ في الدلالة على رسالة المصطفى من ألف قميص وألف أثر.