الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ ساعتين
الجمعة - 19 يونيو 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

 

كلما ارتفعت أصوات المسؤولين وهم يتحدثون عن مكافحة الفساد، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط لكنه موجع: هل يملكون الشجاعة للبدء من مكاتبهم الخاصة؟ هل يستطيعون فتح ملفات المقربين منهم؟ هل يجرؤون على الاقتراب من شبكات المصالح التي أحاطت برؤساء الحكومات والوزراء والمسؤولين الكبار منذ عام 2003 وحتى اليوم؟

يحكى أن رجلاً ذهب إلى طبيب يشكو من مشكلة غريبة. قال للطبيب: “يا دكتور، أعاني من إطلاق الريح باستمرار، لكنها بلا رائحة، ولذلك لا أجد في الأمر مشكلة كبيرة، لكن الناس يشتكون مني.”

فحصه الطبيب ثم كتب له وصفة طبية وأمره بالعودة بعد أيام.
عاد الرجل غاضباً وقال للطبيب: “ماذا فعلت بي؟ كنت أطلق الريح ولا أشم لها رائحة، أما الآن فقد أصبحت الرائحة كريهة جداً ولا تطاق!”

ابتسم الطبيب وقال له: “إذن نجح العلاج.”
استغرب الرجل وسأله: “كيف نجح؟ لقد جعلت الأمر أسوأ!”

فأجابه الطبيب: “مشكلتك لم تكن في معدتك ولا في أمعائك، بل كانت في أنفك. كنت مصاباً بالزكام ولا تشم الروائح أصلاً. لقد عالجت أنفك فقط، فأصبحت الآن تشم الرائحة الحقيقية التي كان يشمها كل من حولك منذ البداية.”

هذه الحكاية تختصر حال الفساد في العراق.
فالكثير من الفاسدين لا يرون فسادهم، أو يتظاهرون بعدم رؤيته. يظنون أن سرقاتهم مخفية، وأن صفقاتهم المشبوهة مجهولة، وأن تضخم ثرواتهم لا يلاحظه أحد، وأن العقارات والشركات والأرصدة والأقارب الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى أصحاب ملايين لا تثير انتباه الناس.

لكن الحقيقة أن الجميع يشم رائحة هذا الفساد.
الموظف البسيط يشمها، والعاطل عن العمل يشمها، والأرملة التي تنتظر راتباً لا يكفي أسبوعاً تشمها، والخريج الذي ضاعت سنوات عمره بين الوعود الكاذبة يشمها، والمواطن الذي يقف ساعات أمام دائرة حكومية أو مستشفى أو محطة كهرباء يشمها كل يوم.

الفساد في العراق لم يعد حالات فردية، بل تحول إلى ثقافة وسلوك وشبكات مصالح متداخلة تحمي بعضها بعضاً. أصبح الفاسد يعتقد أن المنصب ملك شخصي، وأن المال العام غنيمة، وأن الدولة مزرعة خاصة يتقاسمها الأقارب والأصدقاء والحواشي والمتملقون.

 

ولهذا فإن أي حديث عن محاربة الفساد لا قيمة له إذا لم يبدأ من الحلقة الأقرب إلى صاحب القرار نفسه.
إذا كان رئيس الوزراء جاداً في حربه على الفساد فليبدأ بمكتبه الخاص أولاً.

وليبدأ بمن يحيطون به قبل أن يفتش في بيوت الآخرين.
وليفتح ملفات المستشارين والمقربين والمتنفذين الذين تحولت مواقعهم إلى مراكز قوة ونفوذ.
ولينظر إلى ثروات أقارب المسؤولين الحاليين والسابقين، وإلى الإمبراطوريات المالية التي نشأت في ظل السلطة، وإلى الحواشي التي اغتنت من المال العام بينما كان الشعب يزداد فقراً ومعاناة.

أما أن تبقى مكافحة الفساد مجرد شعارات وخطابات ومؤتمرات صحفية، بينما كبار الفاسدين محصنون خلف النفوذ والعلاقات والصفقات السياسية، فذلك يشبه تماماً ذلك الرجل الذي كان يملأ المجالس بنتانة ما يخرج منه، لكنه كان يظن أن المشكلة ليست فيه لأنه لا يشم الرائحة.

الشعب لا يحتاج إلى تصريحات جديدة، بل يحتاج إلى محاسبة حقيقية تبدأ من القمة وتنزل إلى الأسفل، لا أن تبدأ من الصغار وتتوقف عند أبواب الكبار.

وعندما يرى العراقيون أن يد القانون وصلت إلى المقربين قبل الخصوم، وإلى أهل السلطة قبل خصومها، عندها فقط سيصدقون أن هناك حرباً حقيقية على الفساد.

أما ما دام الفاسدون الكبار يعيشون خلف جدران الحماية السياسية والإدارية والإعلامية، فإن كل حديث عن مكافحة الفساد لن يكون أكثر من محاولة لتعطير الهواء، بينما مصدر الرائحة الكريهة ما زال في مكانه لم يقترب منه أحد.

ضياء ابو معارج الدراجي