ميثاق على مكارم الأخلاق..!
زمزم العمران||

قال تعالى في كتابه الكريم : (وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
هناك رجال يمرون في الدنيا كالعابرين، وآخرون يتركون خلفهم تاريخاً من البطولة لاتمحوه الأعوام ،ومن هؤلاء كان الشهيد المجاهد ميثاق احمد رشيد ، ابن الديوانية الأبية الذي ولد عام 1979 ،ليكون واحداً من اولئك الذين اختاروا طريق العزة حين تراجع الآخرون ووقفوا في وجه الخطر حين فر منه الكثيرون .
نشأ ميثاق على مكارم الاخلاق وصفاء السريرة ، فكان رجلاً يحمل في قلبه من الشهامة مايجعله حاضراً في كل موقف يحتاج إلى نجدة أو موقف حق ، لم يكن ينتظر من أحد أن يطلب منه العون ،بل كان يبادر بنفسه حيثما وجد محتاجاً أو مظلوماً أو ملهوفاً ، عرفه الناس صاحب قلب كبير سريع الاستجابة لكل نداء أنساني ،وفي حياته الأسرية كان اباً حنوناً ومربياً فاضلاً ،رزقه الله أربعة أبناء كانوا محور اهتمامه وموضع حبه وحنانه ،كان قريباً منهم يتابع تفاصيل حياتهم ويغرس في نفوسهم قيم الصدق والشجاعة والكرامة ،مؤمنا أن بناء الإنسان لايقل أهمية عن الدفاع عن الاوطان ،مع اشتداد التحديات التي واجهت البلاد لبى نداء الواجب عام 2013 ، فألتحق بصفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق ضمن لواء 42 ليبدأ رحلة طويلة من الجهاد والتضحية .
وفي سوريا وقف مدافعاً عن مرقد السيدة زينب عليها السلام ، مؤمناً أن حماية المقدسات مسؤولية لا يمكن التخلي عنها وفي مواجهة اخطر الجماعات التكفيرية ،اظهر من الشجاعة والثبات ماجعله مثالاً للمجاهد المؤمن الذي لايتزعزع أمام الخطر ولاتهزه التهديدات ، وحين تعرض العراق لاجتياح عصابات داعش الإرهابية عاد ليكون في قلب المعركة ،فشارك في معارك الكرمة والتاجي وإبراهيم بن علي وغيرها من ساحات المواجهة التي شهدت أعنف المعارك واصعب الظروف ،كان يتقدم الصفوف بثبات الرجال الذين عقدوا العزم على النصر أو الشهادة ،برز الشهيد ميثاق في واحدة من أخطر المهمات العسكرية ،إذ امتلك خبرة كبيرة في تفكيك المتفجرات والعبوات الناسفة وهي المهمة التي يهرب منها الكثيرون لما تحمله من مخاطر هائلة ،لكنه كان يقف أمام الموت وجهاً لوجه يغامر بحياته لينقذ حياة الآخرين ويقترب من الخطر ليبعده عن رفاقه وأبناء شعبه ،كان يدرك أن خطأ صغيراً قد يكون نهاية العمر لكنه لم يتراجع يوماً لان روحه كانت أكبر من الخوف وإرادته اقوى من التهديد .
لم تكن سنوات الجهاد تمر بدون ثمن ، فقد أصيب مرات عديدة في سوريا والعراق ، وتعرض لجراح متكررة في معارك الكرمة والموصل وغيرها ،الا أن تلك الجراح لم تضعف عزيمته بل زادته إصراراً وثباتاً ،كان يحمل الالامه بصمت ، ويخفي أوجاعه خلف ابتسامة المؤمن الرضيع بقضاء الله وقدره ، وكأن جسده كان يتعب لكن روحه تزداد قوة ونقاء وبعد سنوات من الجهادو العطاء والتضحية ،جاءت لحظة الرحيل بطريقة لا احد يتوقعها ،ففي الحادي عشر من تشرين الثاني عام 2022 بينما كان برفقة عائلته متوجهاً لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الاشرف ،تعرض لحادث سير مؤسف على طريق الحلة ليرتقي إلى جوار ربه بعد حياة امتلأت بالمواقف المشرفة والبطولات والتضحيات.
فسلام على ميثاق يوم ولد نقياً ، ويوم جاهد ثابتاً ، ويوم ارتقى إلى ربه كريماً ، والى روحه التي علمت الآخرين أن الرجال الحقيقيين لايعرفون بما يملكون ،بل بما يقدمون وان الاوطان تبنى على أكتاف الأوفياء الذين يكتبون أسمائهم بمداد التضحية والفداء.




