هناك وُلدت فتوى الجهاد الكفائي..!
ضياء ابو معارج الدراجي ||

10 حزيران 2014 كان سقوط المحافظات يتسابق مع الزمن كل دقيقة تسقط قرية او مدينة او قضاء، وكأن العراق كله يقف على حافة الهاوية.
لم تكن المناطق الغربية تحتاج إلى قتالٍ يُذكر ما إن تعلن ولاءها لداعش، بل إن كثيراً ممن بايعوا التنظيم جعلوا من ذلك الولاء رخصةً للانتقام من أبناء مناطقهم من الأديان والمذاهب الأخرى، وقدموا الدماء عربون طاعةٍ ومحبةٍ للدواعش.
فارتُكبت المجازر والمذابح الجماعية، وسالت أنهار الدم في الموصل وتكريت والأنبار وكركوك وسهل نينوى، وكان الشيعة والإيزيديون في مقدمة المستهدفين بمشاريع القتل والتطهير والإبادة.
في تلك الأيام السوداء، رقصت دول العهر العربي طرباً وهي ترى مشروعها في العراق يقترب من تحقيق غاياته.
ووجد الانفصاليون الفرصة التي طالما انتظروها لينقضوا على ما سعوا إليه لعقود.
أما الولايات المتحدة، فقد ارتدت ثياب المتفرج الكاذب، تراقب السلاح السعودي والإماراتي والقطري وهو يتدفق إلى عصابات داعش، من دون أن تحرك ساكناً، بل ساهمت في وصول الكثير من الدعم الذي مكّن الإرهاب من التمدد والبطش والقتل.
كانت بغداد يومها على بُعد قوسين أو أدنى من السقوط. كانت محاصرةً من كل الجهات بأنصار داعش وسلاحهم وأموالهم، وكانت شعارات الموت للشيعة ترتفع في كل مكان، فيما كانت جحافل الإرهاب تتوعد باقتحام العاصمة بغداد والنجف وكربلاء وتحويلها إلى مدن للخراب والدم والنار.
في تلك اللحظة التي ظن فيها العالم أن العراق انتهى، خرج الصوت الذي غيّر مجرى التاريخ. من بيتٍ عتيق في النجف الأشرف، انطلقت الرسالة إلى كربلاء، لتُتلى يوم الجمعة الثالث عشر من حزيران 2014 من على منبر العتبة الحسينية، منبر الثورة الحسينية ومنبر الحق الذي لم ينحنِ للباطل عبر القرون.
هناك دوّى النداء.
وهناك وُلدت فتوى الجهاد الكفائي.
وهناك بدأت أعظم ملحمة شعبية شهدها العراق في تاريخه الحديث.
تحولت الفتوى إلى تسونامي بشري شيعي هادر انطلق من الجنوب وبغداد، من المدن والأرياف، من البيوت والأسواق والجامعات والمعامل، ليزحف نحو جبهات القتال. عشرات الآلاف لبّوا النداء، ثم مئات الآلاف، يحملون أرواحهم على أكفهم، مؤمنين بأن الدفاع عن العراق شرف، وأن الشهادة في سبيله حياة.
وبذلك الزحف المقدس انكسرت موجة الإرهاب، وتهاوت أوهام الدواعش، وسقطت أحلام أمريكا والعهر العربي الخليجي التي راهنت على تمزيق العراق وإسقاطه. وتحولت جحافل الخونة والمتآمرين من قوةٍ مهاجمة إلى فلولٍ هاربة تلاحقها نار المقاتلين في كل شبر من أرض العراق.
لقد قالوا إن العراق لن يتحرر قبل ثلاثين عاماً.
وقالوا إن داعش أصبحت أمراً واقعاً.
وقالوا إن بغداد ساقطة لا محالة.
لكنهم لم يعرفوا العراق، ولم يعرفوا شعبه، ولم يعرفوا معنى أن تصدر فتوى من مرجعٍ عراقي حين يكون الوطن مهدداً بالفناء.
فخلال ثلاث سنوات فقط، تبددت تلك التوقعات كلها، وارتفعت رايات النصر فوق المدن التي دنستها أقدام الإرهاب، وعاد العراق موحداً مرفوع الرأس بعد أن ظن الأعداء أنه أصبح لقمةً سائغة لمشاريعهم.
لقد تحقق ذلك النصر بفضل المرجع العراقي الذي أطلق الشرارة الأولى، وبفضل المرشد والسلاح الإيراني الذي وصل في أحلك الظروف، وبفضل القيادة المشتركة للشايب والجنرال، وبفضل بطولات الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية التي خاضت أشرس المعارك وقدمت قوافل الشهداء والجرحى.
هؤلاء هم الذين كتبوا النصر بدمائهم.
هؤلاء هم الذين منعوا سقوط بغداد.
هؤلاء هم الذين أنقذوا العراق من التقسيم والضياع.
وهؤلاء هم الذين أثبتوا أن الأوطان لا يحميها المتفرجون، ولا ينقذها المتآمرون، بل يحميها الرجال الذين يقفون في ساعة الخطر بين الوطن والموت.
ضياء ابو معارج الدراجي




