بين شرفِ الكلمةِ وسوقِ النخاسةِ الفكرية: سقطاتُ ورثةِ البعث البائد..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

لم نكتب كتابًا، ولم ننشر مقالًا، ولم نظهر في لقاءٍ تلفزيوني طلبًا لمنفعة أو سعيًا وراء أجر. ولم نتقاضَ يومًا مقابلًا ماديًا عن برنامج إلكتروني صممناه، أو قاعدة بيانات أنجزناها، أو موظف درّبناه على العمل الإلكتروني. كنا وما زلنا نكتفي براتبنا الوظيفي، مؤمنين بأن خدمة الناس وشرف المهنة أسمى من أن يكونا بابًا للمتاجرة أو وسيلة للكسب.
ولم تكن هذه القناعة وليدة منصب أو مرحلة عابرة، بل ثمرة تربية عراقية جنوبية شيعية حسينية أصيلة نشأنا عليها في بيت متمكن ماديًا عرف النزاهة والاستقامة. فقد كان أبونا رجلًا عشائريًا نزيهًا، تاجرًا مرزوقًا، يبذل للناس أكثر مما يبذل لأهل بيته، وكانت أمنا -رغم أميتها- قد غرست فينا عفة الجدات وفضائل الأمهات الصالحات، فكبرنا مؤمنين بأن قيمة الإنسان بما يحمله من أخلاق ومبادئ، لا بما يجمعه من مال أو جاه.
لقد عشنا مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث، واختبرنا ظروفًا متباينة بين الشدة والرخاء، وبين الاستقرار والاضطراب، وتعلمنا من كل تلك التجارب أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو بما يشغل من منصب، بل بما يحافظ عليه من مبادئ وما يتركه من أثرٍ طيب بين الناس.
أمضينا سنوات طويلة من حياتنا العملية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قبل عام 2003 وبعده.
عايشنا سنوات الحصار بكل ما حملته من صعوبات ومعاناة وشحّ في الموارد والإمكانات، وتهديد حزب البعث وخطر التصادم مع الأجهزة القمعية، وقبلها عايشنا حرب الثماني سنوات مع الجمهورية الإسلامية، ثم عايشنا مرحلة ما بعد عام 2003 بما شهدته من تحولات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة، وما رافقها من صراعات واستقطابات ومحاولات للتأثير في مؤسسات الدولة والمجتمع. وفي جميع تلك المراحل بقينا متمسكين بقناعة واحدة:
أن الوظيفة العامة أمانة، وأن العلم والخبرة مسؤولية، وأن خدمة الناس واجب لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية.
وعندما انتقلنا إلى العمل في مكتب رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي عام 2007، حملنا معنا المبادئ نفسها التي آمنا بها في حياتنا. وخلال ثماني سنوات من العمل هناك، اكتفينا براتبنا الوظيفي فقط، رغم حجم المسؤوليات وحساسية الملفات التي كنا نتابعها ضمن فريق حكومي يتولى تنفيذ قرارات تمس حياة مئات الآلاف من المواطنين، بتخصيصات مالية ضخمة يسيل لها لعاب الطامعين وتفتح بابًا لاستغلال المستفيدين منها بالمليارات.
فقد عملنا على ملفات كبيرة ومؤثرة، منها تعيينات “بشائر الخير” في محافظة ديالى التي بلغت نحو عشرين ألف درجة وظيفية، وتحويل عناصر الصحوات إلى العمل المدني بما يقارب ثمانية وأربعين ألف درجة وظيفية، وملفات إحالة وتقاعد وإعادة ضباط ومراتب الجيش المنحل إلى الخدمة والتي تجاوزت مئة وخمسين ألف درجة، فضلًا عن تحويل منتسبي التصنيع العسكري المنحل إلى وزارات ومؤسسات الدولة بما يزيد على خمسين ألف درجة، إلى جانب ملفات أخرى كبيرة ومتشعبة مرت بين أيدينا خلال تلك السنوات.
كانت هذه الملفات والمواقع كفيلة بأن تفتح أبوابًا واسعة للمال الحرام أمام من يضعف أمام الإغراء، وكان بإمكانها أن تصنع ثروات طائلة بطرق غير مشروعة. لكننا بحمد الله اكتفينا بما أحلّه الله لنا، ولم تمتد أيدينا إلى غير راتبنا الوظيفي، ولم نساوم على ضمير أو مبدأ أو حق من حقوق الناس. وقد دفعنا ثمن هذا الموقف حين نُقلنا خارج رئاسة الوزراء بداية ولاية العبادي، لأن النزاهة كثيرًا ما تكون مكلفة في زمن تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه الأهواء.
وحتى في السنة التي عملنا فيها بمكتب رئيس الوزراء السوداني، لم نتقاضَ سوى راتب وزارتنا الأصلية، ولم نطلب امتيازًا أو مكسبًا أو مكافأة. وعندما رأينا الفاسدين يحتلون مراكز القرار، انسحبنا بهدوء دون ضجيج أو مساومة؛ لأن المبدأ عندنا أثمن، والكرامة أغلى، وراحة الضمير أعظم من جميع الامتيازات.
لم نبخل يومًا على أحد بنصيحة أو معلومة أو خبرة أو ملاحظة. فما تعلمناه خلال عقود من العمل لم نعتبره ملكًا خاصًا بنا، بل أمانة يجب أن تُؤدّى، وخبرة ينبغي أن تُنقل إلى الآخرين. ولهذا كنا دائمًا نقدم ما نستطيع من علم ومعرفة وتجربة دون انتظار مقابل أو مكافأة، إيمانًا منا بأن العلم إذا لم يُنتفع به الناس فقد جانب الغاية التي وُجد من أجلها.
وللعلم، فإن أول كتاب قمنا بطباعته كان قبل عام 2003 في ظل الظروف القاسية التي كان يعيشها العراق آنذاك، وكان كتابًا في أنساب العشائر، وقد وزعناه مجانًا دون مقابل. وبعد 2003 وانتشار “الإنترنت” لم نطبع أي كتاب آخر، واكتفينا بالنشر الإلكتروني، إيمانًا منا بأن المعرفة ينبغي أن تصل إلى الناس دون حواجز، وأن ما نكتبه يجب أن يكون متاحًا لكل من يرغب بالاطلاع عليه في أي مكان من العالم. وتشهد المواقع الإلكترونية والمنتديات والمنصات التي نشرنا فيها على هذا النهج الذي التزمنا به لعقود.
وفي المقابل، اعتاد بعض الأشخاص من كتاب البعث الصدامي وابناء الرفيقات أن يجعلوا من الإساءة إلى الآخرين وسيلة للدعاية لأنفسهم، ومن التجريح والتشهير طريقًا لجذب الانتباه إلى ما يكتبون أو ينشرون، وهذا ما دفعنا لكتابة هذا المقال؛ لأننا كنا وما زلنا نؤمن بأن قيمة الكاتب تُقاس بما يقدمه من علم نافع وعمل صادق وأثر طيب يبقى بين الناس.
إننا ما زلنا نؤمن أن للعلم والخبرة زكاة، وزكاتهما أن يُبذلا للناس بإخلاص، وأن تُسخَّر الخبرة لخدمة المجتمع والوطن، وأن يبقى الإنسان وفيًا لمبادئه مهما تغيرت الظروف وتعاقبت المناصب.
هذه ليست منّة على أحد، ولا ادعاءً للكمال، فالكمال لله وحده، لكنها شهادة نضعها أمام الله وأمام الناس: أننا بقينا نظيفي اليد، مستقيمي الموقف، محافظين على كرامتنا، وأننا نغادر كل موقع كما دخلناه، دون أن نحمل معنا مالًا ليس لنا، أو شيئًا ليس من حقنا، أو ظلمًا لأحد.
وإذا كان لنا من فخر في هذه الحياة، فليس بمنصب شغلناه، ولا بملف أدرناه، ولا بموقع توليناه، بل بأننا حافظنا على اسمنا وسمعتنا وضميرنا ورضا الناس، وهي ثروة لا تعادلها كل ثروات الدنيا.
ضياء أبو معارج الدراجي




