واجهات الفساد حين يُضحّى بالصغار لإنقاذ الكبار..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

في الدول التي تنخرها شبكات الفساد المنظمة، لا يكون الفاسد الحقيقي دائماً هو من يجلس في قفص الاتهام، ولا يكون المتهم الذي تتناوله وسائل الإعلام هو العقل المدبر بالضرورة.
فكثيراً ما يُستخدم بعض المسؤولين التنفيذيين كواجهات لإخفاء الفاسدين الحقيقيين الذين يقفون خلف الستار ويتمتعون بالنفوذ السياسي والحزبي والمالي.
تبدأ القصة عادة بإغراءات المنصب والسلطة.
يُدفع بعض المسؤولين إلى توقيع العقود وتمرير القرارات والموافقات الإدارية، بينما تكون الجهات المستفيدة الحقيقية أبعد ما تكون عن الواجهة.
وعندما تتكشف الحقائق أو تنفجر فضيحة ما، تبدأ عملية البحث عن “كبش فداء” يتحمل المسؤولية كاملة، فيُترك ذلك المسؤول وحيداً أمام الرأي العام والقضاء، بينما يختفي أصحاب النفوذ الذين كانوا يوجهون المشهد من خلف الستار.
إن أخطر ما في منظومة الفساد ليس سرقة المال العام فحسب، بل قدرتها على التضحية بأفرادها عند أول أزمة.
فالواجهة تصبح عبئاً عندما تقترب التحقيقات من المراكز الحقيقية للقوة. عندها يتحول الشخص الذي كان يُطلب منه التوقيع والتنفيذ إلى خطر يجب عزله أو إسكاته أو تحميله كامل المسؤولية، فيما يبقى أصحاب القرار الحقيقيون بعيدين عن المساءلة.
التجارب العراقية خلال العقود الماضية كشفت عشرات الملفات التي انتهت بمحاسبة موظفين ومديرين ومسؤولين تنفيذيين، بينما بقي السؤال الأكبر بلا جواب: من كان المستفيد الحقيقي؟ ومن كان صاحب القرار النهائي؟ ومن الذي وفر الغطاء السياسي والإداري والمالي لكل تلك العمليات؟
إن مكافحة الفساد لا تبدأ عند الحلقة الأضعف، بل عند الرؤوس التي تملك النفوذ والحماية والقدرة على توجيه المؤسسات. فمحاسبة الواجهة وحدها لا تعني اجتثاث الفساد، بل قد تتحول إلى عملية تجميل شكلية تسمح للشبكة نفسها بالاستمرار تحت أسماء جديدة ووجوه جديدة.
العراق لا يحتاج إلى البحث عن ضحايا جدد، بل إلى كشف السلسلة الكاملة للقرار والمال والنفوذ. فالحقيقة لا تكتمل بمعرفة من وقع على الورقة، وإنما بمعرفة من كتبها، ومن أمر بها، ومن استفاد منها، ومن وفر لها الحماية.
وحين يصل التحقيق إلى هذه المرحلة فقط، يمكن القول إن الدولة بدأت فعلاً حربها الحقيقية ضد الفساد، أما الاكتفاء بمعاقبة الواجهات وترك الرؤوس الكبيرة بمنأى عن المساءلة، فلن يؤدي إلا إلى إنتاج ضحايا جدد وفضائح جديدة وفساد أكثر تعقيداً وأشد خطراً على مستقبل البلاد.
ضياء ابو معارج الدراجي




