الجمعة - 19 يونيو 2026

بين الدولة والمقاومة جدلية السلاح والسيادة..!

منذ أسبوعين
الجمعة - 19 يونيو 2026

السيد مهدي العرداوي ||

 

 

 

من اكثر الاخطاء شيوعا في النقاش السياسي المعاصر اختزال مفهوم السيادة الوطنية في البعد العسكري وحده، في حين ان السيادة في الفكر السياسي والدستوري مفهوم مركب يشمل السيطرة على القرار السياسي، والاستقلال الاقتصادي، وحماية الامن الوطني، وادارة الموارد والثروات، وبناء مؤسسات قادرة على فرض القانون وتنفيذ الارادة الوطنية.

وعندما نتحدث عن السيادة ينبغي ان نستحضر اشكالها المختلفة، فهي لا تقتصر على خلو ارض الوطن من القوات الاجنبية، بل تمتد الى استقلال القرار السياسي في القضايا الدولية والاقليمية، والتحرر من الضغوط الاقتصادية الخارجية، وترسيخ الارادة الوطنية في رسم السياسات الداخلية بما ينسجم مع قيم المجتمع وثقافته ومصالحه العليا.

لذلك فان حصر مفهوم السيادة في مغادرة القوات الاجنبية، على اهميته، يمثل فهما جزئيا وقاصرا لهذا المفهوم الواسع. واذا كانت السيادة متعددة الابعاد، فان الدفاع عنها يقتضي بالضرورة تعدد اشكال المقاومة ووسائلها.

ولا خلاف من حيث المبدأ على حق الشعوب في المقاومة، فهو حق اقرته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية والقوانين الانسانية، كما ان العراقيين قدموا تضحيات جساما في مواجهة الاحتلال والارهاب والاعتداءات الخارجية. غير ان الخلط بين المقاومة بوصفها مبدأ ثابتا والمقاومة بوصفها تنظيما اوجد الكثير من الالتباس في فهم متطلبات المرحلة الراهنة.

فالمقاومة كمبدأ هي قيمة وطنية مرتبطة بحق الدفاع عن الوطن وصون استقلاله وسيادته، اما المقاومة كتنظيم واليات وادوات فهي وسائل تخضع للظروف والمتغيرات ولمقتضيات المصلحة الوطنية العليا. وما يكون مناسبا في مرحلة تاريخية معينة قد لا يكون كذلك في مرحلة اخرى، لان السياسة ليست ادارة للثوابت فقط، بل هي ايضا فن التعامل مع المتغيرات واستيعاب التحولات.

ومن هذا المنطلق فان فك الارتباط بين الاجنحة المسلحة في ألوية الحشد الشعبي والتنظيمات السياسية لا تعني التخلي عن خيار المقاومة، ولا تمثل انتقاصا من تضحيات المقاومين او استجابة لاملاءات خارجية كما يصورها البعض، بل هي ترسيخ لمأسسة الحشد الشعبي بوصفه احد تشكيلات القوات المسلحة وسحب الذريعة من الاصوات المطالبة بحله او دمجه كما انها دعوة للانتقال من منطق المرحلة الاستثنائية الى منطق الدولة المستقرة، ومن تعدد مراكز القوة الى وحدة القرار الوطني، ومن شرعية الضرورة التي فرضتها ظروف معينة الى شرعية المؤسسات الدستورية الدائمة.

ومن المؤسف ان بعض الرافضين لهذا الطرح يلجأون الى لغة التخوين والتشكيك في وطنية المخالفين، وكأن الوطنية حكر على رأي واحد او اتجاه واحد.

والحقيقة ان التخوين لا يشكل حجة سياسية، بل يعكس عجزا عن تقديم الحجة المقنعة. فالاختلاف في الوسائل لا يعني الاختلاف في الغايات، وتباين الرؤى حول كيفية تحقيق المصلحة الوطنية لا يخرج احدا من دائرة الانتماء للوطن.

ان السؤال الحقيقي اليوم ليس من الاكثر تمسكا بالسلاح، بل ما الذي يحقق مصلحة العراق وسيادته على المدى البعيد.

وهل تبنى الدول القوية من خلال تعدد مراكز القرار الامني والعسكري، ام من خلال احتكار الدولة وحدها للقوة المنظمة في اطار الدستور والقانون؟

لقد اثبتت التجارب التاريخية ان قوة الدول لا تقاس بعدد البنادق المنتشرة خارج مؤسساتها، بل بقدرتها على توظيف عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية ضمن مشروع وطني متكامل.

فالدولة التي لا تملك قرارها السياسي المستقل، ولا تسيطر على مواردها الاستراتيجية، ولا تمتلك سيادة حقيقية على اقتصادها، لا يمكن ان تكتمل سيادتها مهما امتلكت من ادوات القوة العسكرية.

ان التحدي الاكبر لا يتمثل في اثبات مشروعية المقاومة، فهذه قضية محسومة من حيث المبدأ، وانما في تحديد الصيغة التي تجعل المقاومة منسجمة مع مشروع الدولة لا منافسة له، ومكملة له لا بديلا عنه. فغاية اي مقاومة وطنية ناجحة هي حماية الوطن واستعادة او صيانة سيادته بمختلف ابعادها، وصولا الى بناء دولة قوية مستقلة قادرة على حماية قرارها السياسي واقتصادها وامنها ووحدة مؤسساتها.

ان بناء الدولة ليس تنازلا عن المقاومة، بل هو اعلى اشكال الانتصار لها، لان المقاومة التي تنجح في الدفاع عن الوطن ينبغي ان تفضي في النهاية الى ترسيخ سلطة الدولة وسيادة القانون ووحدة القرار الوطني.

فهذه هي الغاية التي تبذل من اجلها التضحيات، وهي المعيار الحقيقي لنجاح اي مشروع مقاوم يسعى الى حماية الوطن وصيانة سيادته الكاملة.