الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ أسبوعين
الجمعة - 19 يونيو 2026

د. محمد هاشم البطاط ||

 

 

 

قرأتُ مقالاً لأحد الكُتاب يُشكل فيه على حصول حادثة الغدير من أساسها، وهي الحادثة التي مثّلت أحد التعبيرات المركزية والمكثّفة الكاشفة عن خلافة الإمام علي (ع) للنبي الأكرم (ص)، وعمادُ دليلِ المُشكل على عدم الحصول والوقوع هو أن من غير الممكن أو المُتصَوّر أن تكون الحادثة قد وقعت بالفعل أمام مرأى ومسمع آلاف المسلمين، وبشهادة جميع من حضر الوقفة عند موقع الحدث، ثم يجري التنكر لها من قبل هذا العدد الكبير من المسلمين، ولا يشهد بها ولها إلا عدد قليل من الصحابة الذين وقفوا مع علي بن أبي طالب في إثبات الخلافة والوصاية من خلال دليل الغدير، الأمر الذي يدفع الكاتب الى القول بأن ما يُعرف بالغديرية التي يحتفي بها الشيعة لم تقع من الأساس!

ومن وجهة نظري أن الرد على هذا الإشكال من الزاوية السندية والدلالية للغدير، وما جرى فيها من إثباتات وإشارات، قد كفانا مؤونته العلامةُ الأميني (1902-1971م) في موسوعته المهمة المكونة من (11) جزءاً بعنوان (الغدير في الكتاب والسنة والأدب)، والتي فصّل فيها كل الأدلة والشواهد من مختلف مصادرها ومراجعها لإثبات حادثة الغدير ومقرراتها، بيد أني أريد أن أمضي مع المُشكل من زاوية أخرى للرد على منطق التفكير المخاتل القائم على الإعتماد على الصمت البشري المجايل للحادثة أو الواقعة لإثبات عدم حصولها، أو لنقل الارتكاز على عدم إتّباع الجماعة للفكرة أو القاعدة كدليل عدمي على وجودها من الأساس، وهذه مغالطة يجب أن لا تنطلي على من يمر عليها كأنها دليل مقبول.

ولا أدري لماذا وأنا أكتب هذه السطور خطرت في ذهني مقولة كارل ماركس (1818-1883م) الشهيرة التي يقول فيها (ان التأريخ يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، وأخرى على شكل مهزلة)، ربما لأن المأساة صارت تتكرر مراراً، والمهازل تتلوها تباعاً!

إذ يمكن أن يُرد على إشكال المُشكِل هنا من زاوية ما يجري في قطاع غزة من إبادة جماعية لا تذر ولا تُبقي ضمن عملية توحشية يقودها الكيان الصهيوني على الأبرياء أطفالاً ونساءً وشيوخاً مع صمت بشري مطبق من الدول الاسلامية التي تتخطى نسماتها المليار، سكوتٌ فادح من دول مسلمة وكأن الإبادة لم تقع أمام مرأى ومسمع من يعيش اللحظة الراهنة للإنهيار الأخلاقي الذي يجترح العالم، ليس هذا فحسب، بل أن الدول الاسلامية لم تكتف بالصمت على ما يجري، بل صارت تتراكض تباعاً صوب التطبيع مع الكيان المجرم الذي يقوم بجرائمه التوحشية بحق من يعيش في قطاع غزة من الأبرياء والعُزّل الذين بلا مأوى أو مأكل أو مشرب في تسابقٍ على الخيانة والصمت في زمن شحّ فيه الوفاء، وتيبّست فيه منابع الحياء.

وربما سيأتي بعد عشرات السنين من يُشكل من المسلمين وهو يقرأ عن إبادة قطاع غزة بأنها من المستحيل أن تكون قد حصلت بالفعل، إذ من غير الممكن أن تكون أمة المليار المسلم، بقادتها ودولها العتيدة، قد صمتت وسكتت أمام هذا الدمار والإبادة، وربما سيذهب الى أن ما يُشاهده من مشاهد القتل والتجويع والتعذيب عبارة عن مشاهد مولّدة بالذكاء الاصطناعي، إذ لا يمكن أن يكون المسلمون قد شاهدوا ما يجري وبقوا صامتين، ولم يرتبوا الأثر في فعل ما ينبغي فعله، وربما كذلك يتساءل: لماذا لم يحمل راية قطاع غزة سوى بعض المسلمين مقابل صمت الأغلبية الساحقة؟ ألا يعد هذا دليلاً واضحاً على عدم حصول الإبادة من الأساس؟

نفس الأمر حصل في مناسبة الغدير، إذ أن عدم قيام الجماعة، على كثرتها، بإتباع الحق، أو ترتيب الأثر في فعل الصواب، لا يعني أن الخطأ لم يحصل منهم، وأن ذلك دليل على عدم وجود الفكرة أو الفعل الحق والصواب، بل يعني أننا أمام فعل خياني قامت به الجماعة، وان الصمت على الباطل، وعدم إتباع الحق يعني أن العقل الجماعي يرزح تحت وطأة عطب معرفي وسلوكي عميق، ولا يعني البتة أن الإبادة لم تقع مثلاً، أو حادثة الغدير ام تحصل من الأساس، ولله في خلقه شؤون.