الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ أسبوعين
الجمعة - 19 يونيو 2026

ضياء أبو معارج الدراجي ||

 

 

في التراث العربي قصة قديمة عن ملكٍ كان يضع ميزاناً في ساحة المدينة ويعلن للناس أن العدالة هي أساس حكمه. كان الجميع يرون الميزان ويعجبون به، حتى اكتشف أحد الحكماء أن كفتيه لا تتحركان إلا في اتجاه واحد.

عندها قال: “ليست المشكلة في وجود الميزان، بل في اليد التي تمسك به”.

هذه القصة تختصر كثيراً من المشاهد التي نراها اليوم في عالمنا العربي، عندما تتحول العدالة إلى معايير متعددة، ويصبح الموقف الواحد مباحاً لفئة ومحرماً على أخرى، وتصبح حرية التعبير حقاً للبعض وجريمة على البعض الآخر.

فإذا صحّ أن إنسانة تُسجن بسبب موقف أو تعاطف سياسي أو رأي معلن تجاه دولة معينة، فإن السؤال لا يتعلق بهذه القضية وحدها، بل يتعلق بالمبدأ نفسه.

هل أصبحت الآراء السياسية جرائم؟ وهل بات التعبير عن موقف فكري أو سياسي سبباً كافياً لإرسال الناس إلى السجون؟

الأكثر إثارة للاستغراب أن المشهد العربي مليء بإعلاميين وكتّاب وشخصيات عامة يعلنون مواقفهم السياسية بصورة صريحة تجاه دول وقضايا مختلفة، بل إن بعضهم يزور إسرائيل علناً ويتحدث عنها في وسائل الإعلام ويعبر عن آرائه ومواقفه دون أن يواجه الإجراءات ذاتها.

وهنا يبرز السؤال الطبيعي: لماذا يصبح التعبير عن رأي ما جريمة في حالة، بينما يُنظر إلى آراء أخرى باعتبارها حرية شخصية أو اجتهاداً سياسياً؟

المشكلة ليست في الاتفاق أو الاختلاف مع إيران أو مع أي دولة أخرى، فالدول ليست مقدسة، والسياسات قابلة للنقد والرفض والتأييد.

المشكلة الحقيقية تكمن في معيار العدالة نفسه. فإذا كانت الدولة تريد معاقبة المواقف السياسية، فعليها أن تطبق المعيار على الجميع. أما إذا كانت تؤمن بحرية التعبير، فعليها أن تحمي هذا الحق للجميع أيضاً.

إن أخطر أنواع الظلم ليست تلك التي ترتكب باسم القوة، بل تلك التي ترتكب باسم القانون. لأن الظلم حين يرتدي ثوب القانون يصبح أكثر قدرة على الاستمرار وأكثر صعوبة في المواجهة.

لقد عاش العراقيون زمناً طويلاً في ظل نظام كان يخشى الكلمة أكثر مما يخشى السلاح.

كانت النكتة السياسية تُعد مغامرة، وكان الهمس في المجالس الخاصة قد يتحول إلى ملف أمني.

وبعد عام 2003، وبرغم كل المآخذ والأخطاء والانقسامات، أصبحت مساحة التعبير أوسع بكثير مما كانت عليه في عقود سابقة. وأصبح المواطن ينتقد الحكومة والبرلمان والأحزاب والمسؤولين علناً أمام الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولهذا فإن أي تجربة تعاقب الرأي وتلاحق المواقف السياسية تثير القلق، لأن الأمم لا تتقدم بإسكات الأصوات، بل بسماعها. والدول الواثقة من نفسها لا تخشى الكلمات، ولا ترتبك من منشور، ولا ترتجف من رأي مخالف.

فالآراء لا تُهزم بالسجون، والأفكار لا تُكسر بالأحكام القضائية، والتاريخ كله يشهد أن الكلمة بقيت دائماً أطول عمراً من الزنزانة، وأن العدالة الحقيقية لا تكون عندما يُعاقَب الخصم ويُعفى الصديق، بل عندما يخضع الجميع لميزان واحد لا يتحرك إلا باسم القانون، لا باسم المزاج السياسي أو التناقض في المعايير.