بين “عيد النصر” الروسي والمؤامرة على المقاومة و “عيد المقاومة والتحرير في لبنان”..!
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

في التاسع من أيار/مايو 2026، وقفت روسيا مجددًا في الميدان الأحمر تستعرض ذاكرتها الوطنية، وتُحيي “عيد النصر” باعتباره يومًا مقدسًا في الوعي الروسي؛ يُجسد تضحيات الملايين الذين أسقطوا النازية، وأنقذوا وطنهم من جحيم الإحتلال والإبادة.
لم تعتبر موسكو أن الإحتفال بالنصر فعلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل ركيزة من ركائز الهوية الوطنية والسيادة التاريخية، ولذلك تحولت المناسبة إلى رسالة سياسية وثقافية وعسكرية تؤكد أن الشعوب التي تقاوم وتنتصر لا تخجل بتاريخها ولا تتبرأ من مقاوميها.
وفي المقابل، يبدو المشهد اللبناني صادمًا حدّ التناقض؛ فبدل أن يتحول 25 أيار ، عيد المقاومة والتحرير، إلى مناسبة وطنية جامعة تفتخر بها الدولة كما تفعل كل شعوب الأرض التي تحررت من الاحتلال، جرى العمل سياسيًا وإعلاميًا على إفراغ المناسبة من مضمونها، ومحاصرة الجهة التي صنعت هذا الإنجاز التاريخي.
بل ووصل الأمر إلى محاولة نزع الشرعية عنها ووصمها بأنها “خارجة عن القانون”.
إن ما جرى في 25 أيار 2000 لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل لحظة مفصلية في التاريخ العربي الحديث، لأنها المرة الأولى التي تُجْبَرُ فيها “إسرائيل” على الإنسحاب المذِّل من أرض عربية إحتلتها بالحديد والنار، دون قيد أو شرط، ودون إتفاق سلام أو تطبيع أو إستسلام سياسي.
سقط جيش العميل لحد، وانهار المشروع الإسرائيلي في الجنوب اللبناني تحت ضربات المقاومين وصمود الأهالي ودماء الشهداء، ليتحول ذلك اليوم إلى ذاكرة عزٍ وفخرٍ لكل الشعوب العربية المقاومة.
هذا الإنتصار لم يكن مجرد تفوق ميداني، بل كان تجسيدًا حيًا للوعد الإلهي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}؛ فقد امتزج المدد الغيبي بأرواح الشهداء، وصبر الجرحى والأسرى والنازحين، لينتج نصرًا فريدًا لا شبيه له في التاريخ العربي المعاصر، نصرًا أعاد للبنان كرامته وكامل سيادته، وللأمة ثقتها بإمكانية هزيمة الإحتلال مهما طَغَى وتَجَبَّر.
لكن بدل البناء على هذا الإنجاز الوطني، دخل لبنان منذ سنة في مسار سياسي خطير؛ يقوم على تنفيذ الإملاءات الأمريكية الهادفة إلى تجريد لبنان من عناصر قوته.
وقد تعمّقت هذه السياسة مع إقرار رئيس الحكومة لما سُمّي “ورقة الأهداف الأمريكية” في جلستي مجلس الوزراء يومي 5 و7 آب/أغسطس 2025، ثم تكرس المسار بشكل أخطر مع إقرار اعتبار المقاومة “خارجة عن القانون” بتاريخ 2 آذار/مارس 2026، في سابقة تضرب الدستور اللبناني والمواثيق الدولية التي تشرّع حق الشعوب في مقاومة الاحتلال.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل اكتملت حلقات المؤامرة مع إعلان رئيس الجمهورية القبول بالتفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، في تجاوز واضح لثوابت وثيقة الطائف التي رفضت التطبيع وأكدت التزام لبنان بالقضية الفلسطينية ورفض الاحتلال.
والمفارقة الكبرى أن روسيا، التي تعتبر الإنتصار على الإحتلال جزءًا من عقيدتها الوطنية، تكرّم جيشها ومقاوميها وقدامى محاربيها سنويًا، بينما تُدفع الدولة اللبنانية دفعًا نحو التنكر لأعظم إنجاز سيادي في تاريخها الحديث. وكأن المطلوب ليس فقط نزع سلاح المقاومة، بل محو ذاكرتها وإنكار تضحياتها وإلغاء رمزية يوم التحرير من الوعي اللبناني والعربي.
فجاءت مذكرة التعطيل تضامناً مع عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين وأهالي الجنوب والقرى الأمامية ودعماً لصمودهم؛ دون الإشارة إلى أهمية تحرير سيادة كل لبنان من براثن الإحتلال.
غير أن المعادلة الإقليمية لم تُغلق بالكامل أمام المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي، إذ برز الموقف الإيراني كعامل كبح أساسي، بعدما ربطت إيران أي تفاهم مع واشنطن بوقف العدوان على لبنان، ما شكّل خشبة خلاص حالت دون اندفاعة أكبر نحو فرض شروط الإستسلام السياسي الكامل على الدولة اللبنانية.
وفي المحصلة، فإن الأمم التي تحترم تاريخها تبني مستقبلها على ذاكرة الإنتصارات لا على ثقافة الإنكار. ولبنان الذي قدّم آلاف الشهداء لتحرير أرضه، لا يليق به أن يتحول عيد مقاومته إلى يوم صمتٍ رسمي أو مناسبة محرجة للسلطة.
فالأوطان التي تتخلى عن مقاوميها تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية سيادتها، بينما تبقى الشعوب الحية وفية لأولئك الذين كتبوا بدمائهم، معادلات الكرامة والتحرير.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
24 أيار/مايو 2026




