ذاكرة الدم تحت التراب..!
علي جاسب الموسوي ||
2026/5/16

في السادس عشر من أيار .. لا يقف العراق أمام مناسبة رمزية بقدر ما يقف أمام جرح مفتوح اسمه المقابر الجماعية، حيث امتزج التراب بالدم، وتحولت الأرض إلى شاهد صامت على واحدة من أبشع مراحل العنف المنهجي والتطهير العرقي والابادة الجماعية في التاريخ الحديث.
لقد شكلت الحقبة البعثية الدكتاتورية في زمن النظام الصدامي نموذجاً صارخاً لحكم قائم على الإلغاء والإبادة، حيث لم تكن عمليات القتل مجرد تجاوزات أمنية، بل سياسة دولة ممنهجة اعتمدت الإخفاء القسري والتصفية الجماعية، لتتحول المقابر في مناطق متعددة، ومنها المحاويل وغيرها، إلى أرشيف دموي موثق تحت التراب.
تلك المرحلة لم تكن استثناءً، بل منظومة كاملة من العنف السياسي الذي استهدف الإنسان العراقي في هويته وانتمائه، وجعل من المقبرة نهايةً متكررة لكل صوت معارض أو مختلف.
ومع سقوط تلك الحقبة، لم يُغلق ملف الدم بالكامل، إذ ظهرت لاحقاً تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش، أعادت إنتاج منطق الإبادة ذاته، ولكن بزي ديني معروف و متطرف، استهدف مكونات عراقية متعددة من الشيعة والإيزيديين والمسيحيين، في جرائم موثقة أبرزها في بادوش، الصقلاوية، وسبايكر.
إن خطورة هذا التاريخ لا تكمن فقط في حجم الضحايا، بل في تكرار نمط العنف ذاته بأشكال مختلفة، ما يجعل من المقابر الجماعية ليس مجرد ماض مدفون، بل ذاكرة مفتوحة تنبّ إلى أن غياب العدالة الحقيقية يعني قابلية المأساة للتكرار.
إن (ذاكرة الدم تحت التراب) ليست استعارة لغوية، بل حقيقة وطن ما زال يحمل تحت أرضه شهادات صامتة على زمن كامل من الألم، ينتظر إنصافاً لا يكتفي بالتوثيق، بل يرسخ عدم التكرار كقيمة وطنية وأخلاقية.




