الثلاثاء - 23 يونيو 2026

وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ..!

منذ 3 أشهر
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴿الأنعام: 34﴾.

تأتي هذه الآية الكريمة في سياق تعزية رسول الله (ص) وتسليته وتثبيت فؤاده، وهو في مواجهة عناد قومه، وإصرارهم على باطلهم، وصدّهم عن سبيله، ومكرهم به.

وتكشف في الوقت نفسه عن سُنّةٍ إلهية ثابتة في تاريخ الرسالات، مفادها: أن الحق الذي يدعو إليه الأنبياء والرُّسُل يلقى مواجهةً شرسة من أهل الباطل، ومن الفئات التي تتحكّم في رقاب الناس ومفاصل الحركة الاجتماعية؛ وأن الأنبياء والمصلحين يواجهون صنوف التكذيب والاتهامات والعذاب، ويصبرون عليها، ثم تكون العاقبة للنصر والتمكين.

ومما لا شكّ فيه أن الآية الكريمة لا تتحدّث عن حالة عابرة غابرة، بل تؤسّس لوعيٍ رساليٍّ يرى الدعوة إلى الله والحق وإصلاح المجتمع محكومةً لسُنّةٍ تاريخية مطّردة ثابتة؛ فما من داعٍ إلى الله والحق والصلاح إلا ويواجه مواقفَ شرسة في رفضها له ولدعوته، ويلاقي صنوف التكذيب، والأذى، والتضييق، والإهانة، والتشويه، والاضطهاد، والمكر؛ لأن الدعوة إلى الحق والصلاح تواجهها فئات النفوذ الاجتماعي التي تستفيد من الوضع القائم على مقاسها، ويؤمِّن مصالحها. ومن الطبيعي أن يقاوموا دعوة الحق ودعاة الإصلاح خوفًا على مكاسبهم؛

ودائمًا ما يعتمدون في حربهم مع المصلحين التشكيكَ في دعوتهم، وتكذيبهم، والضغط عليهم.

وقد واجه المصلحون ذلك كلَّه بالصبر والثبات على الحق الذي هم عليه، والإصرار على منهاجهم.

ومعلوم أن الصبر — الذي هو من الإيمان كالرأس من الجسد — ثباتٌ ورسوخٌ وتربّصٌ بالفرصة حتى تصبح سانحة.

الصبر فعلٌ واعٍ، وسلاحٌ يواجه به المصلحون كلَّ أنواع التكذيب والاضطهاد بضبط النفس، والتركيز على الهدف، ومنع الماكرين الحاقدين من جرِّهم إلى ردود أفعال مستعجَلة، أو خياراتٍ تُفوِّت عليهم تحقيق أهدافهم.

ومن لطائف التعبير أن الصبر جاء بعد ذكر التكذيب والأذى؛ كأن المعنى: إن طريق الرسالات والدعوات الإصلاحية ومقاومة الظلم والعدوان ليس طريقًا مُمَهّدًا، بل طريقٌ تتجلّى فيه معادن النفوس، ويظهر فيه الفرق بين من يحمل الحقَّ بوصفه رسالة، ومن يحمله بوصفه ادّعاءً أو مصلحة.

ثم إن الآية الكريمة — في الوقت الذي تقدّم فيه النصر أمرًا حتميًا — تقرّر أنه قد يتأخّر حتى تتكامل أسبابه وتتهيّأ ظروفه، وأن تأخّره جزءٌ من التربية الإلهية للأُمم، وحتى للمصلحين والدعاة إلى الله؛ إذ لو جاء النصر سريعًا دائمًا، لما تميّز الصادق من المدّعي، ولا اشتدّ وتعمّق اليقين في القلوب.

والنصر — من منظور القرآن — لا يقتصر على الغلبة العسكرية أو السياسية، بل قد يتجلّى بصورة فتحٍ إيمانيٍّ عقدي، وانبلاجٍ للحق وظهور حجّته، واستمراريةٍ للدين وظهوره، وتمكينٍ للمؤمنين في الأرض. فالنصر الإلهي أوسع من التصوّر المادّي الضيّق، وهو يأتي حين تتهيّأ السنن وتكتمل الموازين.

وإلى ما سبق يشير قوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾؛ فكلمات الله تشمل وعوده وأحكامه وسُنَنه وقضاؤه الحق. والمعنى: لا يستطيع أحد أن يعطّل وعدَ الله، ولا أن يفسد سنّتَه، ولا أن يمنع ما قضاه من إظهار الحق وأهله.

وهذا يمنح المؤمنين ميزانًا عظيمًا في فهم ما يجري من أحداثٍ في صراعهم مع الطغاة والمعتدين؛ فليس ما يجري من تأخير النصر أو كثرة الباطل دليلًا على خللٍ في الحق، بل قد يكون ذلك من مقتضى الابتلاء الذي تنكشف به الحقائق، مما يسمح للنفس المؤمنة أن تنتقل من قراءةٍ مجتزأةٍ متعجِّلة إلى قراءةٍ سُنَنيةٍ تستشرف النتائج وتطمئن النفوس.

فجر يوم الجمعة الواقع في: 3/4/2025 الساعة (04:58)