من رسالة الحقوق: وأما حق نفسك (2)..!
محمود وجيه الدين – كاتب يمني ||

من رسالةِ الحقوقِ للإمامِ زينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحسينِ (عليهِ السلام): « وَأمّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طاعَةِ اللَّهِ، فَتُؤَدِّيَ إِلى لِسانِكَ حَقَّهُ، وَإِلى سَمْعِكَ حَقَّهُ، وَإِلى بَصَرِكَ حَقَّهُ، وَإِلى يَدِكَ حَقَّها، وَإِلى رِجْلِكَ حَقَّها، وَإِلى بَطْنِكَ حَقَّهُ، وَإِلى فَرْجِكَ حَقَّهُ، وَتَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى ذلِكَ – ومن ذلك –
وَأمّا حَقُّ اللِّسانِ: فَإِكْرامُهُ عَنِ الْخَنا، وَتَعْويدُهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الأَدَبِ، وَإِجْمامُهُ إِلّا لِمَوْضِعِ الْحاجَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيا، وَإِعْفاؤُهُ مِنَ الْفُضُولِ الشَّنْعَةِ الْقَلِيلَةِ الْفائِدَةِ الَّتي لا يُؤْمَنُ ضَرَرُها مَعَ قِلَّةِ عائِدَتِها، وَيُعَدُّ شاهِدَ الْعَقْلِ وَالدَّلِيلَ عَلَيْهِ، وَتَزَيُّنُ الْعاقِلِ بِعَقْلِهِ حُسْنُ سِيرَتِهِ فِي لِسانِهِ. وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَأمّا حَقُّ السَّمْعِ: فَتَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ تَجْعَلَهُ طَرِيقاً إِلى قَلْبِكَ إِلّا لِفُوَّهَةٍ كَرِيمَةٍ تُحْدِثُ فِي قَلْبِكَ خَيْراً أَوْ تَكْسِبُكَ خُلُقاً كَرِيماً، فَإِنَّهُ بابُ الْكلامِ إِلى الْقَلْبِ، يُؤَدِّي إِلَيْهِ ضُرُوبَ الْمَعانِي عَلَى ما فِيها مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ.
وَأمّا حَقُّ بَصَرِكَ: فَغَضُّهُ عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ، وَتَرْكُ ابْتِذالِهِ إِلّا لِمَوْضِعِ عِبْرَةٍ تَسْتَقْبِلُ بِها بَصَراً أَوْ تَسْتَفِيدُ بِها عِلْماً، فَإِنَّ الْبَصَرَ بابُ الاعْتِبارِ.
وَأمّا حَقُّ يَدِكَ: فَأَنْ لا تَبْسُطَها إِلى ما لا يَحِلُّ لَكَ، فَتَنالَ بِما تَبْسُطُها إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ الْعُقُوبَةَ فِي الآجِلِ وَمِنَ النّاسِ اللَّوْمَةَ فِي الْعاجِلِ. وَلا تَقْبِضْها عَمّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْها. وَلَكِنْ تُوَقِّرُها بِقَبْضِها عَنْ كَثِيرٍ مِمّا لا يَحِلُّ لَها وَبَسْطِها إِلى كَثِيرٍ مِمّا لَيْسَ عَلَيْها، فَإِذا هِيَ قَدْ عَقَلَتْ شَرُفَتْ فِي الْعاجِلِ وَوَجَبَ لَها حُسْنُ الثَّوابِ مِنَ اللَّهِ فِي الآجِلِ.
وَأمّا حَقُّ رِجْلَيْكَ: فَأَنْ لا تَمْشِيَ بِهِما إِلى ما لا يَحِلُّ لَكَ، وَلا تَجْعَلْهُما مَطِيَّتَكَ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَخَفِّ بِأَهْلِها فِيها. فَإِنَّها حامِلَتُكَ وَسالِكَةٌ بِكَ مَسْلَكَ الدِّينِ وَالسَّبْقِ لَكَ. وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ.
وَأمّا حَقُّ بَطْنِكَ: فَأَنْ لا تَجْعَلَهُ وِعاءً لِقَلِيلٍ مِنَ الْحَرامِ وَلا لِكَثِيرٍ، وَأَنْ تَقْتَصِدَ لَهُ فِي الْحَلالِ، وَلا تُخْرِجَهُ مِنْ حَدِّ التَّقْوِيَةِ إِلى حَدِّ التَّهْوِينِ وَذَهابِ الْمُرُوءَةِ، وَضَبْطُهُ إِذا هَمَّ بِالْجُوعِ وَالظَّمَإِ. فَإِنَّ الشِّبَعَ الْمُنْتَهِي بِصاحِبِهِ إِلى التُّخَمِ مَكْسَلَةٌ وَمُثَبِّطَةٌ وَمُقَطِّعَةٌ عَنْ كُلِّ بِرٍّ وَكَرَمٍ، وَإِنَّ الرِّيَّ الْمُنْتَهِي بِصاحِبِهِ إِلى السُّكْرِ مُسَخِّفَةٌ وَمُجَهِّلَةٌ وَمُذْهِبَةٌ لِلْمُرُوءَةِ.
وَأمّا حَقُّ فَرْجِكَ: فَحِفْظُهُ مِمّا لا يَحِلُّ لَكَ، وَالاسْتِعانَةُ عَلَيْهِ بِغَضِّ الْبَصَرِ ـ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْوَنِ الأَعْوانِ ـ وَكَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالتَّهَدُّدُ لِنَفْسِكَ بِاللَّهِ وَالتَّخْوِيفُ لَها بِهِ. وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّأْيِيدُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِهِ »
بدايةً يجبُ معرفةُ النفسِ، فهي معرفةٌ في غايةِ الأهميّةِ بالنسبة للإنسان، وقد وردَ عن أهل البيت (عليهمُ السلامُ) معاني عميقة وعظيمة : «أعظمُ الجهلِ جهلُ الإنسانِ أمرَ نفسِه»، قِبال: «أعظمُ الحكمةِ معرفةُ الإنسانِ نفسَه» ؛ فإنَّ النفسَ تكونُ نفسًا زكيّةً راقيةً وعزيزةً وذاتَ عزمٍ وإرادةٍ واستقلالٍ حينما تكونُ رهينةَ طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ دونَ غيرِه؛ فحقُّ النفسِ في رسالةِ الحقوقِ ـ كما يبدو ـ جاء مستطردًا ومترابطًا بعدَ حقِّ اللهِ على الإنسانِ، فالنفسُ بين فجورٍ وتقوى، وبين تزكيةٍ وتدنيس، والإنسانُ هو المسؤولُ عن ترجيحِ أحدِ الطريقينِ. لعلَّ الحديثَ عن النفسِ بجميعِ الأبعادِ القرآنيّةِ والأخلاقيّةِ والمعنويّةِ يطولُ كثيرًا، إلَّا أنَّنا يُمكنُنا الاستفادةُ في التأمّلِ جيّدًا في هذا النصِّ القرآنيِّ والحديثِ النبويِّ الشريفِ:
1- قالَ تعالى: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ [سورةُ الشمسِ المباركةِ].
2- دخلَ على رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلِه) رجلٌ اسمُهُ مُجاشِعٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ الطريقُ إلى معرفةِ الحقِّ؟ فقالَ (صلّى اللهُ عليهِ وآلِه): معرفةُ النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى موافقةِ الحقِّ؟ قالَ: مخالفةُ النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى رضا الحقِّ؟ قالَ: سخطُ النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى وصلِ الحقِّ؟ قالَ: هجرُ النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى طاعةِ الحقِّ؟ قالَ: عصيانُ النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى ذكرِ الحقِّ؟ قالَ: نسيانُ النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى قربِ الحقِّ؟ قالَ: التباعدُ من النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى أُنسِ الحقِّ؟ قالَ: الوحشةُ من النفسِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ فكيفَ الطريقُ إلى ذلكَ؟ قالَ: الاستعانةُ بالحقِّ على النفسِ.
بناءً على ذلك، في هذا المقامِ، حديثُنا في هذا المقال عن حقِّ النفسِ كما وردَ في رسالةِ الحقوقِ، لكن ليسَ من جهةِ الشرحِ التفصيليِّ لعباراتِها، إنَّه فقط من جهةِ الوقوفِ عند جوهرِ هذا الحقِّ وأبعادهِ العامّةِ التي تختزلُ معناهُ وتُظهرُ امتدادَهُ في حياةِ الإنسانِ الفرديّةِ والاجتماعيّةِ.
فاستيفاءَ النفسِ في طاعةِ اللهِ ـ كما عبّرتِ الرسالةُ- يتحقّقُ عمليًّا عبر ضبطِ الجوارحِ؛ لأنّ الجوارحَ هي المظهرُ الخارجيُّ لحركةِ النفسِ، وهي الوسائطُ التي تُترجمُ ما في الداخلِ إلى واقعٍ ملموسٍ. فاللسانُ إذا أُطلقَ في الخنا أيْ الفحش من الكلام، فلا شك أنه أفسدَ صورةَ الإنسانِ وقد يُحرق رصيدَهُ الأخلاقيَّ، أمّا إذا عُوِّدَ الخيرَ وحُمِلَ على الأدبِ والذوق، صارَ شاهدًا على عقلِ صاحبِه ودليلًا على رُشدِه، وكذلك السمعُ والبصرُ، فإنّهما بابانِ إلى القلبِ، يدخلُ منهما الخيرُ أو الشرُّ، فإذا لم يُنزَّهِ السمعُ ولم يُغضَّ البصرُ، تسرّبَ الفسادُ إلى الداخلِ قبلَ أنْ يتجلَّى في الخارجِ. وعلى هذا المبنى، فإنّ اليدَ والرجلَ والبطنَ والفرجَ لم تكن أعضاءً معزولةً عن البعدِ الروحيِّ النفسيِّ، إنما هي أدواتُ تكليفٍ ومسؤوليّةٍ؛ فبها يُطاعُ اللهُ أو يُعصى، وبها تُصانُ الكرامةُ أو تُهدرُ كما تظهرُ التشريعات في آيات القُرآنِ الكريم عنهم. فالإنسانُ العاقلُ أو الطفل على سبيلِ المثال: لا يضعُ يدَهُ في موضعِ النارِ وهو يعلمُ بحرارتِها، كذلك لا يضعُ لسانَهُ أو بصرَهُ أو سمعه سائرَ جوارحِه في موضعِ الباطل والحرام وهو يعلمُ عاقبتَهُ؛ لأنّ في ذلك إضرارًا بنفسِه قبلَ أن يكونَ مخالفةً شرعيّةً.
فإنّ ضبطَ الجوارحِ بهذا المعنى ليس تقييدًا للنفسِ بقدرِ ما هو صيانةٌ لها؛ إذْ أنّ النفسَ إذا انقادتْ للهوى بلا ضابطٍ فقدتْ عزّتَها، ووقعتْ في مهاوي الندمِ، وربّما قد توصل لدى البعض إلى درجةٍ من الوقاحةِ لا ترى فيها حرجًا في الظلمِ أو الاعتداءِ أو الاستهانةِ بالآخرينَ. وهذه الحالةُ لا تقتصرُ آثارُها على صاحبِها، إذْ أنّها تنعكسُ على المجتمعِ بأسرهِ، فتضعفُ روابطَهُ وتشوّهُ قيمتهُ كإنسان عاقلٍ. وفي المقابلِ، فإنّ من يستشعرُ حقَّ نفسِه، ويُدركُ أنّ عليها مسؤوليّةً دينيّةً وأخلاقيّةً، يسعى إلى تهذيبِها ومراقبتِها، فيرتفعُ شأنُه وتعلو كرامتُه، ويكونُ موضعَ احترامٍ وتقديرٍ بين الناسِ. فالمسؤوليّةُ الفرديّةُ تُعدّ هنا ليست شأنًا خاصًّا معزولًا، بل إنَّما لبنةٌ في بناءِ المجتمعِ؛ فإنّ صلاحَ الأفرادِ هو الطريقُ الطبيعيُّ إلى صلاحِ الجماعةِ أو المجتمع.
إذنْ، يُستظهر في هذا المقال، أنّ جوهرَ حقِّ النفسِ يتمثّلُ في تحمّلِ الإنسانِ مسؤوليّةَ ضبطِ جوارحِه، وصونِها عن الباطلِ، وتوجيهِها نحو ما ينسجمُ مع القيمِ والشرعِ، لأنّ في ذلك نجاةً له في آخرتِه، وكرامةً له في دنياهُ، وأثرًا طيّبًا في مجتمعِه. ومن عرفَ لنفسِه هذا الحقَّ، لم يستخفَّ بها، ولم يتركْها سائبةً بلا حسابٍ، فإنَّه قد جعلَها في موضعِها اللائقِ، فارتقى وسمى بها بدلَ أن يُسقطَها، ومَن عرف حقّ نفسه، فقد عرفَ طريقُ نجاتهِ وكرامته، ومَن أهملها فقدْ أَهدر إنسانيتهِ قبلَ أنْ يفقد إيمانه في دينه وهو دينُ الإسلام العظيم بالقرآن الكريم والنبيّ محمد (صلّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم) وأهل البيت (عليهم السلام).




