السيدة الزهراء: النور الذي يصنع الأمة.. كيف تكون المرأة المؤمنة قدوة في التضحية والإيمان؟!
عبير الجنيد ||

في رحاب الإسلام، حيث كرَّم المرأة وجعلها حصن الأمة وعماد المجتمع، تبرز شخصيات نسائية خالدة تُضيء الدرب للأجيال. وعلى رأس هذه الشخصيات، تقف سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، نهجًا كاملًا يُحتذى في الإيمان، والتضحية، والتربية، والعطاء. فهي المدرسة التي تخرَّج منها صنَّاع الحياة، والمَعلم الذي تُصقل على يديه شخصية المرأة المؤمنة، لتصير أمًّا تُربي، ومربيةً تُلهم، ومجاهدةً تقدم أغلى ما تملك في سبيل الله. في زمن تحاول العواصف أن تُزعزع الثوابت، تعود أنظارنا إلى الزهراء، لنتعلم كيف تُبنى الأمم، وكيف تُصنع القيم، وكيف تكون المرأة نبراسًا يهدي إلى الحق، حتى في أحلك ساعات التحدي.
السيدة الزهراء عنوان في صقل المرأة المؤمنة. فهي النموذج الأكمل الذي يجسِّد قيمة المرأة ومكانتها الرفيعة في الإسلام، والتي لم تكرمها السماء عبثًا، حتى أنزل الله سورة كاملة تحمل اسم “النساء”. ولكن عندما تنحرف المرأة عن طريقها المرسوم، قد تتحول إلى كارثة تُهدد كيان الأسرة والمجتمع. لذلك، جعل الله لها قدوة تحتذي بها، وهي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بكلٍّ من واقعها العملي والأسري والتربوي، لتصنع أمةً تتحلى بالقيم الإلهية، وتُخرّج جيلاً نافعًا في الواقع الديني والعلمي.
لقد أثبتت سنوات الحرب الطويلة في اليمن أن المرأة اليمنية، ولا سيما أمهات الشهداء والجرحى والمجاهدين، هنَّ نِعم النساء اللاتي ربَّين فأحسَنَّ ما قدَّمن. ليس بالأمر السهل أن تأتي امرأة فتمنح السلاح والجُعبة لابنها، وتقول له: “لا تعد إلى البيت إلا منتصرًا أو شهيدًا”. إنها لحظات تُذكرنا بنبي الله إبراهيم (عليه السلام) حين ساق ابنه إسماعيل عليه السلام إلى المذبح قربانًا لله، لأنه يدرك أنه لا يقوده إلى هلاك، بل يقدمه لمن هو أرحم من الأم بولدها.
لقد شهدتُ بنفسي مواقفَ كثيرة خلال الحرب في محافظة تعز ، لكن بعض المواقف جعلتني أدرك أنَّ القدوة العظيمة – كالسيدة الزهراء – تُنتج نساءً عظيمات، يصبحنَ بدورهنَّ قدوة في الصبر والتحمل والعمق الإيماني. فالزهراء (عليها السلام) هي المعلمة في التربية الإيمانية، والمدرسة في التربية الجهادية.
ومن المواقف التي لا تُمحى من الذاكرة، حيث كانت الجبهات قريبة من السكان وكانت الام وقتها تعيش بالقرب من تواجد إبنها وهو في الجبهات لتسمع كل غارة تقصف وتحصي كل قذيفة تطلق تقاسمه الدعاء ليأتي موقف أمٍّ مجاهدة في تعز، حيث عاد ابنها من الجبهة ليستريح يومين، فما كان من أمه إلا أن وبخته بقوة وقالت: “عيب! أتستحي أن ترجع ترتاح والعدو يزحف ليل نهار، وإخوانك في المواجهة؟ خذ سلاحك وَشُدَّ بأسك عليهم!” وما أن غادر حتى انهمرت دموعها وهي تدعو: “إلهي لا تجعلني ممن يصدون عن سبيلك”، ولو كان فلذة كبدها.
وأخرى، سُحل أبنها في شوارع تعز، فكان ردها الإيماني : “إذا كان هذا يرضي الله، فليأخذه حتى يرضى”. وثالثة، عُرض عليها جثة ابنها المصلوب والمُشوَّه من قبل المرتزقة فقالت بثبات يقطع القلب: “أما جسده فأكلوه، فأنتم أبناء أكلة الأكباد وأحفاد الشمر ويزيد. خذوا جسده وذروه رمادًا، فروحه أصبحت عند عزيز مقتدر”.
ورابعة، رفضت أمٌّ أن تدفع فدية لاستعادة جثة ابنها المصلوب، قائلة: “لم يعد لدي مال لأدفعه فلقد أخذتم المال والبيوت ، لكن ما زال لدي أبناء ليحملوا السلاح بعد أخيهم ويواصلوا مشواره”. وهناك من أُحرقت جثة ابنها أمام عينيها، فما وهنت وما استكانت.
هذه المواقف التي تقشعر لها الأبدان، ليست سوى انعكاس لعمق التربية الإيمانية التي تتحلى بها المرأة اليمنية خصوصًا، والمرأة المؤمنة في كل محاور المقاومة، من صنعاء إلى جنوب لبنان، ومن غزة إلى طهران. إنها تُجسِّد معنى القدوة الحسنة التي تسري في النفوس، فتُخرج أمةً تعرف معنى العطاء بلا حدود.
لقد جعل الله عز وجل لهذه الأمة أعلامًا وقادةً يُحتذى بهم، وجعل للمرأة المسلمة خاصةً نجومًا تهتدي بنورها. وعلى رأس هؤلاء السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ابنة خير معلمٍ للبشرية، سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، التي أصبحت مدرسةً للأجيال في الإيمان، والتضحية، والصبر، والبناء. فطوبى لكل امرئة سارت على نهجها، واقتدت بنورها، وساهمت في صنع أمةٍ تليق بدماء الشهداء وعراقة الإيمان.




