تايه الراي.. قصور تتلألأ فوق ركام وطن محاصر..!
كاظم سلمان ابورغيف ||

بينما كان العراقيون في تسعينيات الحصار يبحثون عن أبسط مقومات البقاء—رغيف العيش ودواء يوقف حمى الأطفال—كان النظام السابق يوجّه جهده السياسي والمالي لبناء سلسلة من القصور الرئاسية التي بدت وكأنها مشاريع عمرانية مُقامة فوق زمنٍ مختلف تماماً عن زمن الناس. قصور شاسعة بُنيت في اللحظة التي تقلّص فيها حجم الدولة في عيون مواطنيها إلى طابورٍ على صهريج ماء، أو قائمة انتظار في صيدلية فارغة.
ومن بين تلك القصور، يبرز قصرٌ في منطقة الأعظمية قُدّم هدية للسيدة ساجدة طلفاح، “تقديراً لحسن تربيتها لعدي وقصي”. جملة لا تزال، حتى اليوم، تستفز الذاكرة العامة؛ إذ إنّ “ثمار” تلك التربية ظهرت في سلوك نجلي الرئيس اللذين اشتهرا ببذخٍ لا يتناسب مع واقع بلدٍ محاصر، وانغماسٍ في حياة ترف فاحش—من موائد لحم الخنزير إلى نبيذ فرنسي معتّق—انتهى بتورطهما في انتهاكات صادمة طالت شباباً وشابات من الشعب نفسه، قبل أن تمتد إلى داخل العائلة، وصولاً إلى جرائم هزّت حتى دوائر الحكم المغلقة.
ومع ذلك، أُهدي القصر للأم “المربية”، فيما سُمّيت بقية المجمعات “قصور الشعب”، وهي تسمية لا تتجاوز كونها نكتة رسمية ثقيلة الظل؛ فالشعب لم يدخل تلك القصور يوماً، ولم يستفد من حدائقها أو قاعاتها أو حتى من ظلّ جدرانها.
يدافع البعض عن هذه المشاريع باعتبارها وفّرت فرص عمل لآلاف العمّال. لكن المفارقة أن هذا “الإنجاز” كان يمكن أن يتحقق—وبأثر أكبر وأعمق—لو تحوّل الجهد نفسه إلى بناء مجمعات سكنية أو مدارس أو مستشفيات أو مصانع أو مشاريع زراعية وريّ، أي منشآت تخدم المواطنين وتعود عليهم بعائد مستمر، بدل أن تُحصر في هياكل إسمنتية فارهة لم يسكنها سوى أفراد معدودين، ولم تُستخدم إلا كرموز سلطة مغلقة.
إن مشكلة القصور لم تكن في جدرانها بل في فلسفة حكم تجسدت فيها: سلطة ترى نفسها فوق واقع شعبها، وتستثمر المال العام لإعلان التفوق لا لخدمة المجتمع، وتبني عالماً خاصاً بأبنائها—بما فيه من فساد وسلوك منفلت—في وقت كانت فيه العائلات العراقية تتقاسم آخر ما تبقى في ثلاجاتها الفارغة.
هكذا تحوّل زمن الحصار إلى زمن مفارقات جارحة:
شعب يقتصد في كل شيء، وحاكم يبني كل شيء… إلا ما يحتاجه الشعب.
لذلك، إن كان لهذا الملف عنوان يليق به، فلعلّه العنوان الذي يختصر شعور العراقيين آنذاك:
﴿طاح حظّك﴾
صدام




