الاستثمار في كمالات الإنسان وصناعة الوعي..!
كاظم سلمان ابورغيف ||

الخميني… من صاحب “مصنع صغير” إلى قائد دولة نووية
تمهيد:
مصانع صناعة الإنسان… الوظيفة الأسمى للأنبياء والمصلحين
منذ فجر التاريخ والإنسان يبحث عن يده التي تُعيد تشكيله، عن صوتٍ يهديه وصورةٍ ترفعه. وقد جاءت رسالات الأنبياء والمرسلين والأوصياء والمصلحين لتؤدي أخطر الصناعات وأكثرها تأثيراً: صناعة الوعي الإنساني. فهذه “المصانع” لم تُقم لإنتاج أدوات، بل لإنتاج الإنسان ذاته؛ كي يبلغ كمالاته، ويستعيد قدرته على فهم دوره في الوجود وموقعه من العدالة.
هذه الصناعة الإلهية – إن جاز التعبير – تتكرر عبر التاريخ في نماذج بشرية استثنائية تحمل مشروعاً يتجاوز عمرها، وتبني فرداً واحداً قادراً على تغيير أمةٍ بأكملها. ومن هذا الباب برز روح الله الموسوي الخميني، الذي حوّل من “مصنع صغير” في أقبية قم، إلى منظومة فكرية وتنظيمية انتهت بقيادة ثورة أطاحت أعتى نظام في الشرق الأوسط، وأسست لدولة تمتلك اليوم برنامجاً نووياً متقدماً.
من سراديب قم… إلى ملامح ثورة
وصل الإمام الخميني إلى قم عالماً شاباً يبحث عن “المادة الخام” لمشروعه؛ فجمع الفقه والأصول والعقائد والفلسفة والعرفان من مدرسة أهل البيت (ع). لكن ما ميّز تلك المرحلة لم يكن التحصيل العلمي فحسب، بل قدرته على تحويل المعرفة إلى صناعة، وصناعةٍ إلى جيل، وجيلٍ إلى ثورة.
كان “المصنع الصغير” الذي بدأ في غرف متواضعة وسراديب ضيقة مدرسةً تكوينية لطلّاب تحولوا لاحقاً إلى قادة مرحلة تاريخية. هناك بدأ الخميني بوضع اللبنات الفكرية والتنظيمية الأولى التي ستشكّل “الصف الأول” في الثورة الإسلامية عام 1979.
تلامذة الخميني… الجيل الذي قلب الشارع وأسقط الشاه
اعتمد الخميني على مجموعة من أبرز تلامذته الذين حملوا أفكاره إلى الشارع الإيراني، ونظموا الاحتجاجات، وتولّوا قيادة الدولة بعد سقوط النظام الملكي. من بين أبرز هؤلاء:
آية الله حسين علي منتظري – أحد أبرز منظّري الثورة، واعتُبر لفترة خليفة محتمل للخميني.
الشهيد مرتضى مطهري – المفكر الأبرز في تفسير المشروع الإسلامي الحديث، ومن أوائل قادة التعبئة ضد الشاه.
الشهيد محمد بهشتي – الذي أسس الجهاز القضائي الحديث للجمهورية الإسلامية ولعب دوراً مركزياً في صياغة الدستور.
علي أكبر هاشمي رفسنجاني – أحد العقول السياسية والتنظيمية الضخمة في الثورة، ورئيس لاحق للجمهورية.
السيد علي خامنئي – من أبرز خطباء الثورة ومعتقليها، والذي تولّى لاحقاً رئاسة الجمهورية ثم القيادة العليا بعد الخميني.
محمد جواد باهنر – شخصية سياسية ودينية لعبت دوراً محورياً في تعبئة الجماهير.
السيد محمد حسيني بهشتي والسيد رجائي – ممن أسهموا في تثبيت مؤسسات الدولة بعد الثورة.
هذا الجيل شكّل “المنتَج الأول” للمصنع الفكري الذي أقامه الخميني؛ فهم الذين حملوا أفكاره إلى المساجد والجامعات والمصانع والشوارع، وحوّلوا الوعي إلى حركة، والحركة إلى ثورة.
من بناء الإنسان إلى بناء الدولة
بعد انتصار الثورة، واجه الخميني تحدي الانتقال من “صناعة الإنسان” إلى “صناعة الدولة”. وهي المرحلة التي تتطلب:
1. تأسيس مؤسسات دينية وسياسية جديدة
2. إعادة تشكيل الجيش والأجهزة الأمنية
3. صياغة دستور يستند إلى نظرية “ولاية الفقيه”
4. تثبيت الهوية الإسلامية للدولة مقابل النفوذ الغربي والشرقي
ومع مرور السنوات، تطورت البنية الاقتصادية والعلمية والتقنية، وصولاً إلى إطلاق برنامج نووي أثار الجدل العالمي، لكنه غدا علامة على قدرة الدولة الناشئة على دخول نادي القوى العلمية الكبرى.
الإنسان… الاستثمار الأعلى قيمة
في قلب المشروع الخميني – شأنه شأن كل مشاريع الأنبياء والمصلحين – بقي الإنسان هو الهدف النهائي. فالفكرة الأساسية التي انطلقت منها الثورة تقوم على أن “تهذيب الإنسان يصنع المجتمع، والمجتمع يصنع الدولة، والدولة تصنع الحضارة”.
هذا النوع من الاستثمار ليس مادياً بل وجودي؛ يعيد تشكيل الإنسان ليكون فاعلاً في التاريخ لا متفرجاً عليه، وشريكاً في صناعة مصيره لا أسيراً له
خاتمة: من مصنع صغير إلى دولة نووية… قصة صناعة وعي
قصة الخميني ليست قصة رجلٍ واجه نظاماً ملكياً فأسقطه، بل قصة وعيٍ تشكّل في حوزة صغيرة ثم تدفق في شوارع مدن ضخمة. قصة “مصنع صغير” بدأ بإنتاج طلاب علم، ثم تحوّل إلى مشروع دولة.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الصناعات التكنولوجية، تبقى صناعة الإنسان هي الأكثر ندرة والأغلى ثمناً، وهي التي يمكن أن ترفع شعباً كاملاً من الهامش إلى قلب التاريخ.




