الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 85

المقاومة الناعمة إمامُها عليٌّ قائدُها المعاصر الخميني..!

قراءة في درس الثلاث والعشرين سنة وامتداده في التجربة الحديثة.

تمهيد:-
حين يتحول الصبرُ إلى منهج والمبادئُ إلى قوة
صامتة

في التاريخ لحظاتٌ تصنع فلسفة كاملة. ومن أعظم تلك اللحظات في الوعي الإسلامي فترة الثلاث والعشرين سنة التي قضاها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعيداً عن موقع القرار السياسي الرسمي، منذ شهادة النبيّ الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وحتى تولّيه الخلافة.
هذه الفترة لم تكن انسحاباً ولا انكفاءً، بل كانت مقاومة ناعمة تحفظ أصل الرسالة، وتمنع الأمة من الانهيار، وتبني الوعي الذي سيحتاجه المسلمون لاحقاً.

وعندما ننتقل إلى العصر الحديث، نجد في تجربة الإمام الخميني (قدّس سره) امتداداً لذلك المعنى: مقاومة صامتة حين يجب، وعلنية حين يحين وقتها، لكن أساسها دائماً الوعي، والثقافة، وبناء الإنسان.

أولاً: أمير المؤمنين (عليه السلام)… إمامُ المقاومة الناعمة

1. ثلاث وعشرون سنة من الثبات لا من الصمت

بعد شهادة النبيّ صلى الله عليه وآله، وُضع عليّ (عليه السلام) خارج مركز القرار. لكنه لم يقف موقفَ المعارض الممزِّق، بل مارس أرقى أشكال المقاومة الهادئة:

حافظ على وحدة المجتمع الإسلامي الفتي.

قدّم المشورة رغم الإقصاء حفاظاً على أصل الدين.

بنى نخبة من التلاميذ الفكريين والروحيين.

حافظ على السنن والمعارف التي كادت أن تضيع وسط الاضطراب السياسي.

2. الحكمة لا السيف

مع أنّه كان الأقدر على المواجهة العسكرية، إلا أنه اختار حماية الإسلام على حساب حقّه السياسي، وهي قمّة المقاومة الناعمة:
التمسك بالمبدأ دون إشعال الفتنة، والبناء في الظل حتى يحين موعد إعادة الأمور إلى نصابها.

3. أدوات المقاومة الناعمة: العلم والكلمة

في تلك الفترة، وضع أسس مدرسة فكرية وروحية أسّست لاحقاً:

بذور نهج البلاغة،

منهج القضاء والحكم،

قواعد تفسير القرآن،

مدرسة الرعاية الاجتماعية للمظلومين.

هكذا قاوم علي (عليه السلام): بإحياء الإنسان لا بإسقاط الخصوم.

ثانياً: المقاومة الناعمة في عصر الإمام الخميني (قدّس سره)

1. حين يتحول الانتظار إلى مشروع وعي

واجه الإمام الخميني نظاماً يملك السلاح والسلطة، لكنه اختار – كما فعل علي (ع) – المقاومة الناعمة:

التثقيف الديني والسياسي.

بناء شبكات اجتماعية على وعي الاستقلال.

خطاب يعيد للناس ثقتهم بأنفسهم وبهويتهم.

وكان يقول:
«الثقافة هي الأساس، إذا انهارت الثقافة انهار كل شيء».

ويذكّر هذا بقول أمير المؤمنين (عليه السلام):
«إنما بدء وقوع الفتن أهواء تُتّبع وآراء تُبتدع».

2. الكلمة… سلاح لا يُرَد

اعتبر الخميني أنّ الوعي هو السلاح الأقوى:
«إنّ أقوى سلاح نملكه هو وعي الشعب».

بهذه الفلسفة—لا بالعنف—استيقظ مجتمع كامل.

3. السلمية الواعية

لم تكن سلمية الإمام الخميني ضعفاً، بل تكتيكاً لبناء الأرضية الفكرية والروحية التي تجعل التغيير ممكناً.

ثالثاً: تجليات المقاومة الناعمة في السياسة والثقافة والمجتمع

1. السياسة: تأسيس الشرعية من الشعب

بناء رأي عام وطني مستقل.

ترسيخ قيم العدالة.

حماية القرار الوطني من الاختراق.

2. الثقافة: الهوية كسلاح

الفنون والسينما والمسرح والأدب كأدوات مقاومة.

تقديم رواية البلاد لا رواية الآخر.

صناعة نماذج فكرية وروحية تُلهِم الناس.

3. المجتمع: ساحة المقاومة الأهم

دعم الفئات الضعيفة.

تقوية الروابط الاجتماعية.

نشر ثقافة العمل التطوعي والخدمة العامة.

رابعاً: شخوص المقاومة الناعمة… من علي (ع) إلى اليوم

المقاومة الناعمة تحتاج إلى نماذج صادقة ومؤثرة كما كان سلمان والمقداد وعمار في زمن علي (ع). واليوم نحتاج إلى:

1. المصداقية الأخلاقية

2. الوعي الديني–السياسي العميق

3. القدرة على الحوار والإقناع

4. الولاء الوطني

5. السلمية المبدئية

هؤلاء هم “جنود الوعي” الذين تقوم عليهم أي مقاومة ناعمة حقيقية.

خامساً: العراق اليوم… الامتحان المعاصر للمقاومة الناعمة

على غرار مرحلة ما بعد شهادة النبي صلى الله عليه وآله، يعيش العراق اليوم:

صراع روايات.

ضغطاً خارجياً متعدد الجهات.

محاولات لزعزعة الهوية الوطنية.

خلافات داخلية تتغذى من الخارج.

ولهذا يحتاج العراق إلى مقاومة ناعمة تحمي وعيه قبل حدوده:

إعلام وطني يعيد تشكيل الرواية العراقية.

جامعة ومدرسة تزرع عقل نقدي لا يُخترق.

خطاب وطني جامع.

مشاريع ثقافية تُعيد الثقة بالذات العراقية.

هذا ما فعله أمير المؤمنين (ع) في تلك المرحلة… وما أحيى روحه الإمام الخميني (قدّس سره).

خاتمة: من عليٍّ إلى الخميني… خطّ واحد وإن اختلف العصر

المقاومة الناعمة ليست انسحاباً بل إستراتيجية بناء تحفظ المجتمع وتقيه الانهيار.
من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى الإمام الخميني (قدّس سره)، يبقى الدرس واحداً:

أصل القوة يبدأ من الوعي… لا من السلاح.