گلي عائلتك… گلي گلي شيسولفون؟ أُخبرك من أنت؟!
كاظم سلمان ابورغيف ||

عائلتك… قل لي ماذا تناقش، أُخبرك من أنت.
فما يدور في البيت من أحاديث، وما يُتداول بين الزوجة والأبناء من برامج ودراما واهتمامات، ليس أمورًا عشوائية، ولا تفاصيل يومية عابرة؛ بل هي في جوهرها لغةٌ تكشف تربية الأب، وصورته، وغرسه، ونموذجه الذي أسّسه في بيته ببصمته وصمته، بفعله قبل قوله، وبسلوكه قبل توجيهه.
فالأسرة مرآة، وإذا أردت أن ترى روح الأب فانظر إلى اهتمامات أهله.
وإذا أردت أن تعرف قيمة النموذج الذي يقدّمه، فاستمع فقط إلى ما يتناقشونه في الأمسيات:
هل هو حديث عن قصص الأنبياء؟ عن الأخلاق؟ عن التاريخ؟ عن الشخصيات القدوة؟
أم هو حديث عن دراما سطحية، وأسماء مغنّين، ومسلسلات لا تُبقي في الروح أثرًا إلا الفراغ؟
حين يتكلّم البيت… تتكلم التربية
هناك بيوتٌ تستشعر جمال المعنى. تلتف الأم والأبناء حول مسلسل يوسف الصديق، تتأثر بعمق تجربة النبي الكريم، تستخلص الدروس، وترى كيف يواجه المؤمن البلاء بثبات ورضا.
أو يجتمعون حول مسلسل المختار الثقفي، يتحاورون عن نصرة الحق، وعن ثقل الموقف يوم تُعرض القيم على المحك.
أو يتابعون بشغف مسابقات القرآن مثل المحفل، يناقشون مخارج الحروف، يعيشون لحظات روحانية تُطهّر القلب كما تُنوّر الفكر.
هذه البيوت لم تتجمّع مصادفة على هذه البرامج؛ إنما تجمّعت لأن قائدها—الأب—فتح لها النافذة من هذا الاتجاه.
دلّهم على القدوات، فجعل قدوتهم جميلة.
أظهر لهم القيم، فجعل قلوبهم تتعلّق بالمعنى قبل المتعة.
هذا البيت… يشبه أباه.
وبالمقابل… بيوتٌ تتشتت في الفراغ
وفي الجهة الأخرى هناك بيوت تتناثر فيها الأحاديث حول الدراما التركية المدبلجة، والحلقات التي تُثير الغرائز ولا تربي الضمائر، وتشتعل الأجواء كل ليلة بانتظار حلقةٍ من برنامج غنائي أو عرضٍ يمسخ الذوق ويُطفئ نور الفطرة.
الأطفال يحفظون أسماء الممثلين، ويقلّدون كلمات لا يعرفون معناها، وتنشغل الأم بالقصص، وينسحب الأب—بوعي أو دون وعي—من موقع القيادة ليترك الأسرة للتيار.
وهذا البيت أيضًا… يشبه أباه.
من كلمات قادة مدرسة أهل البيت (ع): التربية تبدأ من القدوة
كان الإمام الخميني (قده) يوصي الآباء فيقول:
«ابدؤوا بإصلاح أنفسكم، فإن صوت أعمالكم أبلغ في نفوس أبنائكم من صوت كلماتكم.»
ويقول الشهيد مرتضى المطهري (ره):
«القدوة أهم من الأوامر. فالأب الذي يُصلح نفسه يجعل تربية أبنائه نصف منجزة قبل أن يبدأ بالكلام.»
ويُعلّق السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده):
«إن جوّ الأسرة يصنع الإنسان؛ فالبيت إما أن يكون حضنًا للقيم أو مصنعًا للانحراف.»
هذه الكلمات ليست شعارات؛ إنها خلاصة تجربة رجالٍ صنعوا أجيالًا، وأثبتوا أن الأب ليس مجرد فرد في العائلة بل هو اتجاهها ومنبعها ومحورها.
الأب… يكتب مستقبل أسرته من حيث لا يشعر
ليس مطلوبًا من الأب أن يحفظ أبناءه القرآن كله، ولا أن يحوّل كل ليلة إلى درس تربوي، ولا أن يمنعهم من كل لهو.
المطلوب أن يعرف:
أن سلوكه… اهتمامه… ذوقه… برامجه… نمط حياته…
كلها تنتقل تلقائيًا إلى زوجته وأبنائه.
فما يتمنّاه منهم سيأتي على قدر غرسه هو، لا قدر أمنياته.
وما يرجوه من صلاحهم سيُقاس بقدر صلاح نموذج الأب، لا بقدر الأوامر التي يطلقها
توصيات عملية لكل أب يريد بيتًا يزدهر بالقيم
1. اجعل القدوة أول الكلام: أصلح ما تستطيع في نفسك ليُصلح الله ما تحب في أهلك.
2. افتح النوافذ الصحيحة: اختر بحكمة البرامج والمحتويات التي تدخل بيتك؛ فهي تدخل قلب أسرتك أيضًا.
3. اجتمع بأهلك دائمًا: لا تترك كل فرد في عالمه الافتراضي؛ وحدة الأسرة تزرع الاهتمام المشترك.
4. استبدل الفراغ بالمعنى: المسابقات القرآنية، السِيَر، الحوارات الهادفة… تبني الذوق وتُزكّي النفس.
5. تذكر أنك أنت “الاتجاه”: حيث تقف، سيقف أهلك. وأين تنظر، سينظرون.
الخلاصة :-
إن الأب ليس مجرد معيل، ولا مجرد حضور في البيت؛
بل هو المعلم الأول، وصاحب البصمة الأكبر، والمسؤول عن الوجهة التي تسلكها أسرته.
ومهما تعددت المؤثرات في هذا الزمن، يبقى تأثير الأب هو الأقوى…
لأنه التأثير الذي يُرى كل يوم، ويُعاش كل ساعة، ويكبر في قلب الطفل قبل عقله.
عائلتك… قل لي ماذا تناقش، أُخبرك من أنت.
وهذا “الأنت” — أيها الأب — تصنعه اليوم، ليصنعوه غدًا.




