تفتيت الهوية المجتمعية عبر الانحراف القيمي: قراءة في ظاهرة زجّ القاصرات في أجواء الطرب..!
قاسم الغراوي ||
كاتب وصحفي

لم يعد تفكك المجتمع يبدأ من الحرب أو الأزمات الاقتصادية أو الاستقطابات السياسية؛ بل باتت الشرارة الأولى تُشعل غالباً من بوابات الانحراف القيمي، حين تُقوّض منظومة الأخلاق التي تشكلت عليها الأجيال، ويُسمح لسلوكيات دخيلة أن تتحول إلى “نمط حياة” جديد. وعندما تتراجع خطوط الدفاع القيمي، يصبح المجتمع جاهزاً — دون مقاومة — لاستقبال هوية بديلة تنسجم مع مستوى الانحراف والتشرذم الذي وصل إليه.
ومن أخطر مظاهر هذا الانفلات، ما شهدته إحدى محافظات العراق مؤخراً، حين قفزت مجموعة من القاصرات إلى المسرح في مهرجان للطرب، وهنّ في حالة انفعال شديد، يبكين ويتفاعلن مع المطرب وكلماته بصورة تجاوزت حدود البراءة والعفوية، ولامست — بوضوح — خطوط التربية والأخلاق والحياء العام.
هذه الظاهرة أثارت استياءً واسعاً لدى غالبية الشعب العراقي، ونقداً حاداً للأسَر التي لم تُحسن ضبط سلوك بناتها، وسمحت بزجّ القاصرات في بيئة لا تتناسب مع أعمارهن ولا مع منظومة قيم المجتمع.
الإشكالية ليست في الغناء كفن، ولا في الاحتفال كطقس اجتماعي، (ونحن نختلف في هذا )بل في تعرّض الفتيات الصغيرات لبيئة نفسية وسلوكية غير مؤهّلة لاحتضانهن، وتركهن ينخرطن في تفاعلات انفعالية لا يدركن معناها، بينما تُصفّق الامهات والاباء والحشود وتلتقط الهواتف المشهد دون وعي بمخاطره.
إن هذا السلوك يمثل مؤشراً خطيراً على تراجع دور الأسرة، وصعود الثقافة الترفيهية، وتمييع مفهوم الحياء، مما يمهد لظهور هوية اجتماعية جديدة منفصمة عن جذورها الأخلاقية.
إن مشهد بكاء القاصرات على خشبة المسرح ليس حدثاً عابراً ، بل جرس إنذار يُشير إلى أن المجتمع مهدد بتشويه هويته من الداخل. فالأمم لا تُهزم بالقوة فقط، بل تُهزم حين تفقد بوصلتها الأخلاقية.
الحفاظ على القيم ليس وصاية، بل مسؤولية تاريخية تحفظ للأمة تماسكها، وللأجيال براءتها، وللهوية أصالتها.




