تساؤلات بحثية.. مشروعية المقاومة/السياسية – العسكرية – بين قراءة النجف وقراءة الفصائل..!
كاظم سلمان ابورغيف ||

مقدمة البحث
شهد العراق بعد عام 2003 تنوّعاً واضحاً في الرؤى تجاه كيفية مواجهة الاحتلال الأميركي والتعامل مع آثاره السياسية والأمنية. وقد برز مساران
؛؛فكريان؛؛ يمثلان اتجاهين رئيسيين داخل البيئة الشيعية: قراءة المرجعية الدينية في النجف الأشرف التي دعت إلى اعتماد المسار السياسي–الدستوري، وقراءة الفصائل المسلحة التي رأت أن المواجهة العسكرية هي السبيل الأول والأكثر تأثيراً في إنهاء الاحتلال.
هذا الاختلاف ولّد مجموعة تساؤلات بحثية مهمة، من قبيل: أيّ القراءتين كانت أقرب لطبيعة المرحلة؟ وهل تغيّرت مواقف الأطراف مع مرور الزمن، أم أن الواقع هو الذي فرض إعادة نظر في الوسائل؟ وهل يمثّل التباين بين القراءتين تناقضاً أم تكاملاً؟ هذه الأسئلة تشكّل الإطار الذي يسعى هذا البحث لمعالجته….
المحور الأول: قراءة النجف – المقاومة السياسية وبناء الشرعية
تقوم قراءة النجف على مبدأ ثابت يتمثل في أن بناء الدولة هو الإطار الأوسع للمقاومة، وأن مواجهة الاحتلال يجب أن تتم عبر:
1. صياغة دستور دائم.
2. إجراء انتخابات حرة تمنح الشرعية للمؤسسات.
3. تعزيز دور الدولة وحفظ هيبتها.
4. رفض عسكرة المجتمع وحصر السلاح بيد الدولة.
وفق هذه الرؤية، لا تُختَزل المقاومة في العمل العسكري، بل تُمارَس من خلال إعادة تأسيس شرعية وطنية تجعل وجود الاحتلال غير ذي جدوى سياسياً.
وتؤكّد القراءة النجفية ثبات موقفها؛ إذ لم تتغير حتى عندما صدرت فتوى الجهاد الكفائي عام 2014، والتي جاءت استجابة لتهديد استثنائي تمثّله داعش، لا تغييراً في نهج المواجهة أو بناء الدولة.
المحور الثاني: قراءة الفصائل – المقاومة المسلحة كاستجابة أولية
في المقابل، تبنّت الفصائل المسلحة منذ بدايات الاحتلال قراءة تعتمد على مبدأ المواجهة العسكرية المباشرة.
وانطلقت من عدة مرتكزات، أبرزها:
1. الاحتلال الأميركي قوة عسكرية لا بد من ردعها بالسلاح.
2. الخشية من أن تتحول العملية السياسية إلى غطاء لاستمرار النفوذ الأميركي.
3. الإيمان بأن الضغط المسلح يسرّع الانسحاب ويحد من الكلفة البشرية والسياسية.
وبذلك تشكّلت فصائل مقاومة تبنّت السلاح كخيار أولي واعتبرته ردّاً عملياً وفورياً على الاحتلال، وظل هذا المسار مهيمناً لسنوات قبل أن تتغير الظروف.
المحور الثالث: أيّ القراءتين تغيّرت؟
يمثل هذا السؤال محور التحليل البحثي.
يظهر أن قراءة النجف ظلّت ثابتة في خطوطها العامة، إذ بقيت تؤكد على الدولة والدستور والعمل المدني.
في المقابل، شهدت قراءة الفصائل تحولاً واضحاً مع تغير سياق الصراع، ويمكن تلخيصه بـ:
1. الانتقال من المقاومة العسكرية إلى الحضور السياسي.
2. الاعتراف التدريجي بالعمل الدستوري كإطار لإدارة الصراع.
3. توسيع مفهوم المقاومة ليشمل النشاط السياسي والاجتماعي والإعلامي.
وقد قاد هذا التحول إلى تقارب أكبر بين مسار الفصائل ومسار النجف، مع بقاء الفوارق البنيوية في المنهج والرؤية.
المحور الرابع: تكامل أم تضاد؟
تطرح التجربة العراقية سؤالاً مهماً: هل أسهمت القراءتان في مسارين متقاربين أم متعارضين؟
تظهر الأدلة أن كلا المسارين –السياسي والمسلّح– لعبا أدواراً متداخلة في صياغة مشهد الانسحاب الأميركي عام 2011:
المسار السياسي قدّم شرعية وطنية لتثبيت مطالب العراقيين.
المسار العسكري قدّم ضغطاً ميدانياً قلّل هامش المناورة لدى الاحتلال.
وعليه، يمكن القول إن التباين بين القراءتين لم يكن تناقضاً مطلقاً، بل اختلافاً في أدوات التأثير ضمن هدف مشترك يتمثل في استعادة السيادة.
الخاتمة
تظهر الدراسة أن مركز الاختلاف بين القراءتين لا يكمن في الهدف، بل في الوسيلة.
فالنجف تبنّت منذ البداية رؤية استراتيجية طويلة المدى، تقوم على بناء الدولة كمدخل لحل كل أشكال الهيمنة، بينما فضّلت الفصائل رؤية عملية قصيرة المدى تعتمد المواجهة المسلحة المباشرة.
ومع تطور الأحداث، خصوصاً بعد 2011 و2014، بدا أن قراءة الفصائل هي التي تغيّرت وتوسّعت، بينما بقيت قراءة النجف ثابتة في جوهرها.
ومع ذلك، فإن تفاعل القراءتين –السياسية والعسكرية– شكّل في مجموعه الصورة الأوسع للمقاومة العراقية.
يبقى الملف مفتوحاً أمام أبحاث إضافية حول كيفية تطور مفهوم المقاومة، وحدود العلاقة بين الدولة والسلاح، ودور المرجعيات الفكرية والسياسية في تشكيل هذا المسار.




