الجمعة - 19 يونيو 2026

﴿أم الحبوكر﴾ التشنج بين عمق الكلمة وعمق الماء… مقاربة هادئة لردود الفعل على نقد إعلام الحشد..!

منذ 7 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

 

 

لا يخلو أي مجال من حساسية النقد، تمامًا كما لا تخلو السباحة من صعوبة مواجهة الأعماق.

وكما قد يتعرض السباح المتمرّس أحيانًا لـما يُعرف بـ «أمّ الحبوكر»—ذلك الارتباك العضلي اللاإرادي الذي يداهمه حين يتوغل في الماء—كذلك قد يواجه البعض ارتباكًا مشابهًا عند الخوض في عمق النقاش، خاصة حين يتعلق بملفات ذات رمزية أو مكانة خاصة.

لكن الفارق هنا أن الارتباك الذي يصيب السباح يأتي بلا إرادة منه، بينما التردد في النقاش قد يكون اختيارًا، يقوم على الحذر، أو الحرص، أو الخشية من سوء التأويل… أو ربما خشية من أن يُساء فهم كلمة قيلت بنيّة إصلاح.

جوهر الملاحظة التي أثارت التردد: حين قدمت نقدي المتعلق بملف إعلام الحشد، كان هدفي واضحًا:
دعم الأداء عبر الإشارة إلى مواطن التطوير، لا تسجيل موقف أو توجيه اتهام.

الإعلام—كأي مؤسسة—يتطور بالنقاش، ويتقوّى بالنقد، ويرتقي حين يُفتح الباب أمام تعدد الآراء.
لم يكن الكلام تجريحًا، بل قراءة مهنية بُنيت على متابعة ومقارنة، ورغبة حقيقية بأن يظهر هذا الملف بصورة تليق بتضحيات الحشد وبصورة الدولة عمومًا.

لكن بعض الإخوة شعروا بالضيق، ورأى أحدهم أن نشر الملاحظة في مجموعته قد يخلق حساسية غير مرغوبة، فتردد في نشرها.
وقد تفهّمتُ ذلك؛ فالحذر في الملفات الكبرى ليس عيبًا، وتجنّب التصعيد أمر يحسب لصاحبه وليس عليه.

النقد… بين واجب المهنية وحساسية الميدان

من المهم التذكير بأن النقد المسؤول ليس هجومًا، بل هو أحد أهم أدوات البناء.
فحين ننقد أداءً ما، خاصة حين يرتبط بمؤسسة بحجم الحشد، فنحن في الحقيقة نؤدي واجبًا، لأن ما بُني بتضحيات كبيرة يستحق أن يُصان بروح الإصلاح المستمر.

والمؤسسات التي تتحسس من أي ملاحظة تفقد فرصة ذهبية للنموّ.
أما المؤسسات الواثقة فهي التي تستمع للجميع، وتحول النقد إلى خطوات عملية، وتستمد قوتها من شفافيتها لا من حساسيتها.

التردد في نشر الكلمة… قراءة موضوعية

أقدّر كثيرًا حرص الأخ الذي تردد في نشر كلامي.
ربما خشية من أن يُفهم خارج سياقه.
وربما مراعاة لآراء أعضاء مجموعته.
وربما تهرّبًا من نقاش قد يطول بلا فائدة.

وهذا كله مفهوم.
لكنّي في المقابل أرى أن حجب النقد لا يعالج مشكلة، بل قد يؤخر حلّها.
والأقوى دائمًا هو أن نسمح للأفكار بأن تُناقش علنًا وبهدوء، دون خوف من التأويل أو الحساسية.

بين عمق الماء وعمق الرأي

تمامًا كما يتجاوز السباح المحترف «أمّ الحبوكر» عبر الهدوء والثبات، يمكننا نحن أيضًا تجاوز الارتباك الذي يصيبنا عند مواجهة رأي مختلف، عبر ثقافة الحوار والإنصات.

الكلمة ليست خصمًا، بل فرصة.
والنقد ليس تهديدًا، بل دعمًا إذا أحسنّا قراءته.
والمؤسسة التي تسمح لنفسها بسماع الملاحظات تكسب ثقة جمهورها قبل أن تكسب أي شيء آخر.

ختامًا…

أكرر احترامي للجميع، وأؤكد أن ما طرحته كان—وسيظل—بدافع الحرص، لا بدافع المشاكسة.
وقد قلت رأيي في ملف إعلام الحشد باعتباره ملفًا مهمًا يستحق أن يتطور، لا باعتباره نقطة خلاف بين أطراف.

فالغاية أن نكون جميعًا على الضفة نفسها: ضفة البناء، لا ضفة الحساسية.
وما دامت النوايا صادقة، فإن عمق الكلمة لن يغرق أحدًا، بل سيقودنا نحو مياه أكثر صفاءً.