الجمعة - 19 يونيو 2026

المقال الخامس ـ التحوّل في العلوم الإنسانية والاجتماعية في ثورة الفقيه..  من إنتاج الوعي إلى بناء المعرفة النظرية..!

منذ 7 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

كاظم سلمان أبورغيف ||

 

 

مقدمة

ليست الثورات كلها قادرة على إنتاج علومها الخاصة أو إعادة صياغة مناهج فهم الإنسان والمجتمع؛ وغالبًا ما تكتفي الحركات السياسية بتغيير السلطة أو النظام أو البنية السياسية، بينما تبقى العلوم الإنسانية — من فلسفة وتاريخ واجتماع وقانون واقتصاد—أسيرة النماذج المستوردة من الغرب، أو من الماضي، دون قدرة على التجديد.

لكن ثورة الفقيه كانت مختلفة؛ فقد ولدت منذ بداياتها وهي تحمل سؤالًا مركزيًا:
هل يمكن للأمة أن تنتج علومها الإنسانية الخاصة، وأن تمتلك رؤيتها في فهم الإنسان والمجتمع والدولة؟

ومع مرور أكثر من أربعة عقود، أصبح واضحًا أن الثورة لم تصنع تحوّلًا سياسيًا فقط، بل أسست مسارًا معرفيًا جديدًا، جعل من العلوم الإنسانية والاجتماعية جزءًا من مشروعها الحضاري، وأداة لبناء المجتمع والدولة معًا.

#أولًا: فلسفة الثورة… إعادة تعريف الإنسان

من أهم التحولات النظرية التي أنتجتها الثورة هو تغيير صورة الإنسان في الفكر الاجتماعي والسياسي:

1. الإنسان في الفكر الغربي الحديث:
غالبًا ما يُقدَّم ككائن مادي/فردي، تُقاس قيمته بقدرته الاقتصادية أو السياسية.

2. الإنسان في ثورة الفقيه:
كائن روحي–أخلاقي، له غاية، وله مسؤولية، وله دورٌ في صناعة العدالة الإلهية في الأرض.

هذا التحوّل جعل النظرية الاجتماعية الجديدة تعتمد على:

مركزية القيم في تفسير الظواهر

مركزية الروح في بناء المجتمع

مركزية العدالة في السياسة

مركزية الكرامة في الاقتصاد

فأعطى للعلوم الإنسانية بُعدًا أخلاقيًا وفلسفيًا كان مفقودًا في المدارس الوضعية.

#ثانيًا: الفقه الاجتماعي والسياسي… من النص إلى النظرية

إحدى أهم ثمار الثورة كانت نشوء فقه اجتماعي وسياسي حديث، يتجاوز الأحكام الفقهية الجزئية إلى بناء نظريات كاملة في:

إدارة الدولة

العدالة الاجتماعية

الاقتصاد الإسلامي

العلاقات الدولية

السيادة والشرعية

حقوق الإنسان

الواجبات الاجتماعية

ظهر هذا التحوّل في:

1. فقه ولاية الفقيه وتطوير نموذج الحكم
الذي وضع لأول مرة نموذجًا ناجحًا في التطبيق، وليس مجرد نظرية.

2. فقه المجتمع (الفقه الاجتماعي)
الذي يقرأ الظواهر الاجتماعية باعتبارها مسؤولية شرعية تحتاج مؤسسات وسياسات.

3. فقه النظام
وهو من أهم التحولات، إذ ينظر للدولة بوصفها “منظومة” تحتاج رؤية كلية، لا أحكامًا جزئية

هذه الطفرة الفقهية أسست لمدرسة حديثة تُدرّس اليوم في الجامعات والحوزات.

#ثالثًا: علم الاجتماع الجديد… المجتمع بوصفه مشروعًا

قبل الثورة، كان علم الاجتماع في المنطقة نسخة مترجمة من الغرب، يعتمد نظريات جاهزة ويفسر بها واقعًا مختلفًا.
لكن الثورة صنعت اجتماعًا جديدًا يقوم على:

1. مجتمع المقاومة
الذي تظهر فيه قيم التضحية، الإيثار، الشرعية الشعبية، وروح المشاركة.

2. مجتمع الروح
الذي يرى أن الوعي الديني عنصر تكوين وليس مجرد عادة اجتماعية.

3. مجتمع الثورة الدائمة
أي مجتمع لا يتجمّد، بل يتجدد ويعيد بناء نفسه.

4. الوعي الجمعي المرتبط بالعدالة
حيث أصبحت العدالة الاجتماعية مطلبًا عامًا، لا شعارًا سياسيًا.

ومن هذه المفاهيم وُلدت دراسات وبحوث ونظريات محلية في الاجتماع السياسي والاجتماع الحضاري.

#رابعًا: التحوّل في العلوم النفسية والتربوية

لمس التغيير العلوم التربوية والنفسية أيضًا، حيث ظهر اتجاه جديد يرى أن:

1. التربية مشروع حضاري
يهدف إلى تخريج إنسان رسالي، واثق، مستقل، مشارك في بناء أمته.

2. الهوية الروحية جزء من الصحة النفسية
بعكس المدارس الغربية التي تفصل بين القيم والسلوك النفسي.

3. المدرسة ليست لتعليم المهارات فقط، بل لتكوين الإنسان كاملًا.

وبُنيت مناهج تعليمية جديدة، تربط بين:

المعرفة

الأخلاق

الهوية

المواطنة

الوعي الحضاري

وهي اليوم من أبرز مشاريع الثورة في العلوم الإنسانية.

#خامسًا: الفلسفة الإسلامية الحديثة… مشروع متجدد

بعد الثورة، شهدت إيران نهضة فلسفية كبيرة بقيادة:

المطهّري

الطباطبائي

مصباح اليزدي

جوادي الآملي

ومحافل فكرية متعددة

هذه الفلسفة:

1. أعادت إنتاج العقل الإسلامي في مواجهة المادية الغربية.

2. طورت نظرية المعرفة لتصبح قادرة على تفسير العالم الرقمي المعاصر.

3. أدخلت عناصر جديدة في فلسفة الأخلاق والسياسة.

فأصبحت الفلسفة الإسلامية اليوم مدرسة عالمية لها مؤلفات تُدرّس خارج إيران.

#سادسًا: المؤسسات البحثية… بنية علمية تخدم النظرية

لم يبقَ التحوّل نظريًا فقط، بل شُيّدت مؤسسات ضخمة:

مراكز أبحاث في الفلسفة والاجتماع والسياسة

جامعات متخصصة

معاهد دولية تستقبل آلاف الطلبة من أكثر من 100 دولة

مجلات علمية محكّمة

مؤسسات لإعادة قراءة العلوم الغربية بأدوات نقدية

هذه البنية جعلت من الجمهورية الإسلامية مركزًا لإنتاج الفكر وليس مستهلكًا له.

خاتمة: ثورة تبني عقلًا… لا دولة فقط

لقد أثبتت التجربة أن ثورة الفقيه:

لم تُنتج قوة سياسية فقط

ولا قوة عسكرية فقط

ولا قوة علمية فقط

بل أنتجت عقلًا جديدًا وطريقة جديدة لفهم الإنسان والمجتمع، وجعلت من العلوم الإنسانية جزءًا من مشروع النهضة، لا ترفًا أكاديميًا ولا تقليدًا أعمى.

وبذلك، اكتمل التحوّل الحضاري للثورة:

سياسة مستقلة

علم يتقدم رغم الحصار

ثقافة تعيد تشكيل الوعي

ومعرفة إنسانية تصنع نظرية جديدة

وهو المسار الذي جعل الثورة — بعد أربعة عقود — واحدة من أكثر التجارب التاريخية قابلية للتجدد والاستمرار والتمدد .