الجمعة - 19 يونيو 2026

ردّ الإحسان بالإساءة: سلوك يناقض الفطرة ويكشف خللًا في التنشئة والعزة النفسية..!

منذ 7 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

 

 

يُعدّ ردّ الإحسان بالإساءة واحدًا من أسوأ السلوكيات الإنسانية وأكثرها تناقضًا مع الفطرة السليمة. فالأصل أن يُقابَل المعروف بالمعروف، وأن تُثمر بذور الخير ثمارًا من الوفاء والامتنان، لا أن تتحوّل إلى جحود واعتداء. وقد جاء في كتاب الله تعالى:
﴿ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ ﴾،
وهي قاعدة أخلاقية كبرى تكشف القبح الباطني لمن يواجه جميل الناس بقبيح فعله.

أولاً: لماذا يُسيء الإنسان إلى من أحسن إليه؟

هذا السلوك لا ينشأ فجأة، بل يتكوّن عبر سلسلة من العوامل النفسية والتربوية والشخصية، وأبرزها:

1. تنشئة فاسدة تُميت بذور الامتنان

الطفل الذي ينشأ في بيئة تخلو من الاحترام والتقدير، أو تمتلئ بالظلم والتوبيخ والسخرية، يتعلم—من حيث لا يشعر—أن الخير لا قيمة له، وأن العلاقات الإنسانية تقوم على المصلحة أو القوة لا على الرحمة والحب.

وقد يصل فساد التنشئة إلى مرحلة تجعل الطفل غير قادر على استقبال الإحسان أصلًا، فيراه تهديدًا أو محاولة سيطرة، فينقلب عليه بالإساءة.

بل إن بعض العلماء يشيرون إلى أن البيئة تُؤثر على الإنسان منذ نعومة أظفاره؛ بل من لحظة انعقاد نطفته من حيث الصفاء، والاستقرار الأسري، وحضور القيم، وهي أمور لها أثر عميق في تكوين شخصيته لاحقًا. فبيئة مضطربة أو ملوّثة أخلاقيًا قد تثمر قلبًا جافًا لا يعرف للمعروف وزنًا.

2. طبع سوء اكتسبه الشخص حتى أصبح سمة ملازمة

هناك من يتربّى على اللؤم حتى يُصبح جزءًا من طبعه.
فهو يرى أن شكر الناس ضعف، وأن ردّ الإحسان بإحسان انتقاص من رجولته أو كبريائه، فيختار الإساءة ليحافظ على وهم القوة التي صنعها لنفسه.

وقد قيل في الأمثال:
«اللئيم ينسى عشرة الإحسان، ويتذكر إساءة واحدة».

هذا النمط لا تنفع معه المواقف ولا الإحسان ولا الصبر، لأن الخلل في الطبع لا في التعاملات.

3. الشعور المبكر بفقدان العزة

بعض الناس يعانون من جرح داخلي في عزة النفس تكوّن في سن مبكرة؛
كطفل تعرض للذل، أو الإهمال، أو المقارنة المستمرة، أو الحرمان العاطفي.

مثل هذا الشخص يكبر وهو يشعر بأنه أقل من الآخرين، وبالتالي يتوجس من كل إحسان يقدَّم له، ويظن أن المقصود منه إظهار ضعفه أو حاجته.

فيبدأ بردّ الجميل بالعدوان:

إما ليُخفي هشاشته،

أو ليُثبت لنفسه أنه ما يزال قادرًا على السيطرة،

أو ليهرب من شعور داخلي يذكّره بما فقده من عزة في طفولته.

وهذا يفسّر لماذا يكون المسيء للمحسن أكثر الناس حساسية تجاه الكرامة رغم أنه أكثرهم اعتداءً عليها.

4. الجحود كعلامة على خلل أخلاقي وإيماني

الإحسان نعمة، ومن يُقابل النعمة بالشر إنما يكشف عن ظلمة داخلية وفساد في المعنى الإنساني.
وقد قال النبي ص:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس»
فالذي لا يعترف بإحسان البشر، لا يعرف طريق شكر رب البشر.

ردّ الإحسان بالإساءة—في أصل معناه—إساءة أدب مع الخالق قبل الخلق.

ثانيًا: دلالة هذا السلوك على فساد الجذور لا فساد اللحظة

من يردّ الخير بالشر لا يفعل ذلك لدافع عابر، بل غالبًا يحمل في داخله:

نقصًا عميقًا في التربية

جفافًا في المشاعر

ضعفًا في العزة الداخلية

تشوّهًا في مفهوم العلاقات الإنسانية

وخللًا في إدراك معنى المعروف والشكر

ولأن الجذور فاسدة، يظل السلوك كذلك مهما تغيّرت الظروف.

ثالثًا: خطورة التنشئة السيئة منذ البدايات الأولى

توحي النصوص الشرعية والتربوية بأن الإنسان يتأثر ببيئته منذ اللحظات الأولى لوجوده،
بل إن بعض العلماء يتحدث عن “حقوق الجنين على الأبوين”—من الاستقرار، والهدوء، والرحمة، وحسن الاختيار—لأن لهذه المؤثرات أثرًا على تكوينه النفسي والروحي.

ولهذا فإن التحذير من فساد التنشئة لا يعني فقط التربية بعد الولادة، بل يبدأ منذ اختيار الأب والأم، ويمتد حتى لحظات الحمل الأولى.

فالبيئة التي يسودها الظلم والعدوان تُنبت شخصية قابلة لردّ الإحسان بالإساءة، كما تُنبت الأرض الخبيثة نباتًا خبيثًا مهما سُقي بالماء.

الخلاصة

ردّ الإحسان بالإساءة ليس مجرد سلوك شاذ؛ بل علامة:

على تنشئة معطوبة،

أو طبع لئيم،

أو نقص عزة،

أو جرح نفسي دفين،

أو فساد في الفطرة والأخلاق.

أما النفوس السوية، مهما قست عليها الدنيا، فإنها تعرف وزن المعروف، وتحفظ جميل الإحسان، وتردّ الخير بالخير، لأنها سليمة الجذور نقية الطباع