نصر الله، لم نجعل له من قبل نظيرا..!
أحلام الخفاجي/العراق ||

كان النصرُ يشتاقُ مولده، كأنّ انتصارَ الحقّ في الجنوب معقودٌ بولادته، وكأنّ دماء الشهداء هناك كانت تهمس في أديم الأرض: إننا لن ننتصر إلا به!
حتى جاء يوم مولده فصكّت فاهها الدنيا، وقالت يا بشراي إنه غلام، فكبُرت في قلبه كربلاء، ليضحك سن الجنوب ولتتمايل شقائق النعمان، التي استوطنت سفح جبل جنوبي، ولتشرق شمسه من أحد بيوتات البازورية، التي ازهرت على اكتاف شبابيك حاراتها عرائش الكروم، فما ان استنشق وليدها الأبهى نسيمات هوائها، حتى صرخ صرخته الأولى، لتستيقظ عصافير الوقت مستبشرة، فسبّحت لله شكرا، وكأن لسان حالها يقول: “هذا عطاء الله، عطاء غير مجذوذ” فكان نصر الله!
دارت عجلة السنين مسرعة حتى بدأت ملامح ذلك الوليد تتشكل، وبدأ لسانه الجنوبي يتفحص مخارج الحروف فكان الراء الأوفر حظا من بينهم، فتعلق قلبه به فادلف باب الأبجدية، وهرب مسرعاً ليتوسد ثنايا لسان ذلك الجنوبي الثائر، لتكون لثغة الراء صفته المميزة، التي اضافت لجمال منطقه جمالا، ولتقف فيما بعد الكلمات التي تحمل في بطونها راء، في طابور طويل على بابه تنتظر ان يمر بها نصر الله، ولعلها تجري على لسانه، لتتباهى أمام شقيقاتها الأخريات ولينالها الشرف، فكان لاسمه نصيب حين كان نصر الله.
كان شغوفاً في طلب العلم، فما أن اشتد عوده حتى قصد مدينة جده الإمام علي (عليه السلام) لينهل من ينابيع حوزة النجف العلمية علماً صافياً نقيا، وكيف لا يكون كذلك وفي ذلك الصرح يترعرع نوّاب الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) وكان لِقمٍّ تلك المدينة التي تشرّفت أن تكون عشّاً لآل محمد نصيب، أن تحتضن حوزتها ذلك الجنوبي الضيغم القسور، الذي يغفو في داخله بركان روح ثورية تأبى الضيم.
بركان يروم أن يرمي بشرره، كلما رأى العوز يمسك بتلابيب المحتاجين، وسياطه تعزف سمفونية القهر على ظهور الفقراء، يفور كلما اسدل الليل ستائره، ليتناهى إلى مسامعه نشيج بكاء جنوبه، وهو يرزح تحت وطأة الاحتلال ٢٢ عاما، وكلما طرقت باب روحه شجرة زيتون جنوبية اتخذت من الليل جملا،
ملتحفة ببقايا عباءة ستر السيدة زينب، شاكية أن يهوديا تجاسر عليها، يوم قطع اغصانها وهو يسرق صغار ثمارها، أما شجرة الأرز يا سيد الجنوب فإنها تشكو العطش، وكأنها نذرت لله صوما، لا ينقض إلا بجرعة ماء من يد الساقي.
ثائرٌ بحجم قائد ارضعته أمه حب أبي الحسن، فكان حريّاً به أن يتخذ من الحسين (عليه السلام) منهاجا يمضي عليه بخطى حثيثة، كان يبحث عن ساحة تكون مصداقاً لعاشوراء، ترى كل ابتلاءات الحياة بعين البصيرة، التي يلهج لسان قلبها ما رأيت إلا جميلا! وإن كل القرابين على مذبح العقيدة تكاد تتلاشى أمام قرابين “خذ حتى ترضى” تلك التي قدّمتها مولاتنا زينب في كربلاء، ولتزهر من دمائهم غرساً كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء فكان حزب الله، ألا إن حزب الله هم الغالبون!
كان قائداً محنّكا، خبر لعبة السياسة والحرب معا، قاد حزب الله في معركة هي الاعقد والاشرس، لكسر قضبان أسر الجنوب وتحريره من زنزانة الأسر، الذي دام عشرين سنة ونيف، ليسفر الصبح وتشرق شمس الحرية على وجه الجنوب، الذي كاد ان يفقد ملامحه، لولا أن تداركه رجال الله بقيادة ذلك الضيغم الأشوس.
حتى جاء طوفان الأقصى ليُتبّر وجه العدو الصهيوني تتبيرا، وليُكشّر بني صهيون عن انياب حقدهم، بقتلهم الأطفال والنساء، لينتفض ذلك الجنوبي الحر، ومعه كل الأحرار، من رجالات حزب الله وحشد وحوث وحماس، بوجه الموت وهم يرددون أبالموت تهددني يابن الطلقاءً؟! فالموت لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة، فنحن أبناء عاشوراء، فوالله لا نترك السلاح، ولا نبرح ميدان الجهاد حتى النصر او نمضي دونه، أولسنا على الحق؟ فلا نبالي إن وقعنا على الموت او وقع الموت علينا.
كان رجلاً في أمة، أعد جيلاً كاملاً لا يُهزم وإن نزلت به النوائب، جيل رجاله متسلحة بعاشوراء، رهبان بالليل ليوث بالنهار، كأن قلوبهم زبر الحديد لا يشوبها شك في ذات الله أشد من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوه. وهم يمهّدون الأرض لظهور ذلك الموعود من آل فاطم، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلما، حتى أصبح فِكره ومبادؤه منهاجاً يُدرّس في مدارس الأحرار.
علّمهم كل شى جميل، علّمهم الحب، التسامح، التوكل على الله، الصبر على البلايا، وما هم جميعاً إلا جنود مجندة بيد الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) للتمهيد لظهوره المبارك، فحفظوا الدرس عن ظهر قلب.
إلا شيء واحد لم تعلّمهم إياه يا سيد القلوب، فكان الأشد والأقسى على قلوبهم من فقد المال والدار والولد، لم تعلهم كيف الصبر على فراقك، فلم يـزل صوتـك يتهادى إليهم، يوقظهم ويحدّثهم كعادتك.
أما وجهك الملائكي، فصاروا يرونه في وجه كل مقاوم، منذ رحيلك ودفاترُ الحزن امتلأت، ونيرانُ الفقد استعرت، ولا يواسيهم برحيلك سوى الظّهور أو الوصال الأبديّ.
يا سيد الروح هل أخبرك شيئاً؟ أن الشوق بعينه اشتاق إليك، وان الحنين كل ليلة يهيم على وجهه، حتى لا يفتضح أمره باكياً شاكياً فراقك.




