العراق بين فشل الدولة وأنكسار الوعي..!
طه حسن الأركوازي ||

من السهل أن نُحمل السياسيين وحدهم مسؤولية الخراب الذي يعيشه العراق ، لكن الحقيقة أشد إيلاماً من مجرد طبقة حاكمة متقاسمة للسلطة بلا رؤية ولا مشروع وطني ، فالأزمة أعمق من فساد النخب وتناحر الأحزاب ، إنها أزمة وعي مجتمعي وسلوكيات يومية متجذرة تُعيد إنتاج الفشل جيلاً بعد جيل ، فالدولة في جوهرها ليست سوى أنعكاس لشعبها ، مرآة تعكس وعيه وقيمه وسلوكه ، ومهما تبدلت الحكومات والأنظمة ، فإنها ستظل عاجزة عن النهوض ما لم يتغير وعي الناس أولاً .
نحن نتطلع إلى دول مثل اليابان أو المانيا أو النرويج أو سنغافورا أو أغلب دول الخليج ، ونتساءل لماذا لا نصبح مثلهم ، لكننا نغفل عن حقيقة أن نجاح تلك الدول لم يكن هبة من السماء ، بل نتاج ثقافة عمل وأنضباط وأحترام للقانون والمسؤولية الفردية ، فكيف يمكن أن نحلم بدولة نظيفة ونحن نلقي القمامة من النوافذ ثم نلعن البلدية لأنها لم تنظف الشوارع ، وكيف نطالب بخدمات عامة متطورة ونحن نكسر مقاعد الملاعب ووسائل النقل العامة ، ونعبث بمصابيح إنارة الشوارع والأزقة .؟
المشكلة لا تكمن فقط في المؤسسات ، بل في سلوكياتنا فنحن نلعن غلاء الأسعار لكننا نتسابق على تكديس المواد الغذائية ونرمي نصفها في القمامة ، نطالب بزيادة الأجور لكننا لا نقبل بزيادة الإنتاجية ، نلعن الفساد لكننا نمارس التحايل على القانون في أبسط المعاملات اليومية ، والأدهى أن العراقي الذي يرفض في وطنه عملاً بسيطاً بدعوى أنه لا يليق ، يقبل في الغربة أن يعمل في البناء أو جمع النفايات أو غسل الصحون والحمامات ، ثم يعود مُتباهياً بما جمعه من مال ، هذه المفارقة تكشف أن الخلل ليس في نوع العمل ، بل في نظرتنا إلى أنفسنا وإلى وطننا .
إن إعادة بناء العراق لا تبدأ من قصر الحكومة ولا من البرلمان ، بل من البيت والمدرسة والشارع والمقهى تبدأ من أحترام القانون ، من أداء الواجب قبل المطالبة بالحقوق ، ومن الإيمان بأن التغيير الفردي هو اللبنة الأولى للتغيير الجماعي .
ما لم ندرك أن الدولة أنعكاس لشعبها ، سنبقى نعيد إنتاج الفشل نفسه ، مهما تغيرت الوجوه في السلطة ، فالعراق لن يصبح مثل سويسرا أو اليابان بقرارات فوقية ، بل حين يصبح العراقي نفسه جديراً بالعيش في دولة مثل تلك الدول .
أخيراً وليس آخراً .. إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس فقط فساد السلطة أو عجز المؤسسات ، بل هذا التناقض المُستمر بين ما نُطالب به وما نمارسه في حياتنا اليومية ، وإذا لم ندرك أن إصلاح الدولة يبدأ من إصلاح سلوك المواطن ، فسنبقى ندور في حلقة مفرغة من الفشل .
إعلموا أن المستقبل لا يُبنى بالشعارات ولا باللعنات ، بل بالانضباط والوعي وتحمّل المسؤولية ، وحين يتصالح العراقي مع ذاته ، فيكف عن رمي النفايات في الشوارع ، ويحافظ على المرافق العامة كأنها ملكه الخاص ، ويؤدي عمله بإخلاص لا خوفاً من العقوبة ، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن عراق قادر على النهوض .
أما إذا بقينا أسرى ثقافة التناقض بين القول والفعل ، فإن أي تغيير سياسي سيبقى سطحياً ، وسرعان ما يعيد إنتاج الخراب بوجوه جديدة ، التغيير الحقيقي يبدأ من الفرد العادي ، ومن ثم يفرض نفسه على الدولة والنظام السياسي .
إن العراق ينتظر لحظة وعي شاملة ، يتوقف فيها المواطن عن أن يكون جزءاً من المشكلة ليصبح جزءاً من الحل ، وما لم نغتنم هذه اللحظة ، فسنترك لأبنائنا بلداً أثقلته الأزمات حتى العظم …!




