قراءة تاريخية لسمسرة معاوية بن أبي سفيان..!
محمود المغربي ||

من أقوى وانجح وأقدم الأسلحة التي يستخدمها العدو لضرب الأمة المذهبية والطائفية والصراعات الداخلية التي كان ولا يزال معاوية بن أبي سفيان مؤسس وعنوان لها
منذ الانقلاب ليس على سيدنا علي عليه السلام بل على كل ما جاء به سيدنا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ومنذ أن حرف مسار الأمة وأسس لأول فتنة وانقسام داخل بنية الدولة التي وضع اركانها سيد الخلق محمد بن عبدلله ومنذ أن جعل بأس وقوة أمة الإسلام فيما بينها وسن سنة لأول مرة سنة مسلم يقتل مسلم ومن المستحيل أن نجد مسلم يقاتل مسلم قبل أن يفعل ذلك معاوية وعلينا أن نتخيل كيف كان يمكن أن يكون وضع الأمة اليوم إذا لم يكن هناك معاوية وهل كان هناك قوة على وجه الأرض قادرة على وقف أمة وجيش وضع اللبنة الأولى له رسول الله ويقوده سيدنا علي عليه السلام وإلى أين كانت سوف تصل تلك الأمة وذلك الجيش بقيادة أعظم قائد في تاريخ البشرية إذا لم يخرج عليه معاوية بجيشه ويهدم ويدمر أركان تلك الدولة.
وهل كان بوسع أي قوة وجيش أن يقترب من المدينة المنورة لو لم يفعل جيش معاوية ذلك ويحقق ما عجز عنه والده أبو سفيان وجدة عتبة طوال سنوات من صراعهم مع الله ورسوله لياتي معاوية بجيش يرفع راية الإسلام ويقتحم المدينة ويقتل أبنائها ويغتصب النساء ويحرق قبر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وبعد سنوات وبنفس الجيش الذي اسسها معاوية وبالسنة التي ابتدعها معاوية يقوم عبدالملك بن مروان بإرسال الحجاج لاقتحام مكة المكرمة وضرب الكعبة المشرفة بالمنجانيق وادخلوا الحصنة إلى جوف الكعبة للقضاء على القداسة التي صنعها الإسلام للكعبة بعد أن جعل الله منها قبلة للمسلمين وتم قتل وصلب عبدلله بن الزبير فيها لأيام بعد أن كان ذلك يعد شيء من المستحيل على اعداء الأمة وأي قوة على وجه الأرض قبل أن يفعل ذلك معاوية الذي تربى على يد والدين اخذى على عاتقهم محاربة الله ورسوله ودينه وقد رضع من ثدي هند الكراهية والحقد على رسول اللّه وآله وعلى بني هاشم بشكل عام.
وقد تزعم والده أبو سفيان جبهة المشركين الرافضين لما جاء به رسول اللّه والمحاربين له بكافة الوسائل ابتداء من حملة التعذيب وقتل كل من اتبع رسول اللّه إلى حملة المقاطعة وحصار رسول اللّه ومن معه في شعاب مكة وملاحقة من هاجر من المسلمين إلى الحبشة ومصادرة أموال واملاك من آمن في مكة إلى محاولة القضاء واغتيال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم داخل منزله في مكة وما تبع ذلك من معارك بعد الهجرة والتي بدأت بمعركة بدر إلى الأحزاب وفتح مكة حيث لم يتبقى لأبو سفيان من موطن ولا موطئ قدم يقف عليها لمحاربة وقتال رسول اللّه ولم يكن أمامه هو وزوجته هند التي أكلت كبد سيد الشهداء حمزة ومعاوية إلا ركوب الموجة والتظاهر بالإسلام بعد أن قال لهم رسول اللّه اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وقد حدث ذلك في العشرين من رمضان العام الثامن الهجري يعني في شهر 9 قبل وفاة رسول اللّه بعامين ولم يلتقي فيها رسول اللّه بزعيم الكفر وولده معاوية إلا بضع مرات كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عاد إلى المدينة فيما مكث معاوية ووالده في مكة كما أن رسول اللّه قد رفض النظر إلى وجه هند وإلى وجه هذه العائلة التي كان يدرك ما تحمل من كره وحقد عليه وعلى آل بيته وما سوف يفعل معاوية من بعد ذلك ولا نعلم متى صاحب معاوية رسول اللّه وكيف سمح له بكتابة الوحي وكم وحي نزل على رسول اللّه بعد فتح مكة.
وفي خلافة عمر تم تعيين معاوية والي على دمشق حيث كون معاوية ثروة كبيرة من الجبايات التي فرضها على الناس بالقوة ومن تجارة الخمر والرباء كما هو ثابت ومؤكد في كتب علماء وفقهاء السنة التي أيضا تحدثت عن شرب معاوية للخمر بل وكان يقدم في قصره كشراب للضيوف مع الطعام.
وبعد مقتل عثمان واختيار ومبايعة سيدنا علي عليه السلام خليفة للمسلمين من قبل كافة المسلمين داخل وخارج المدينة المنورة باستثناء دمشق ومعاوية بن أبي سفيان الذي رفض البيعة وخرج بجيش لقتال سيدنا علي عليه السلام في أول انقلاب على الإسلام وعلى إجماع المسلمين وعلى الخلافة الراشدة جاعل من نفسه زعيم للفئة الباغية التي بشر بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وادخل الأمة في أول صراع داخلي قتل فيه أكثر من سبعين الف من المسلمين بينهم الآلاف من الصحابة والتابعين ومنهم عمار بن ياسر والزبير وخلق شرخ عميق في كيان وبنية دولة الإسلام لا تزال الأمة تعيش تبعاته إلى اليوم وسوف يستمر ذلك الانقسام إلى يوم القيامة ما لم يتم تسمية الأمور باسمائها والاعتراف بأن معاوية كان مارق عن الإسلام والعدو الأول للأمة ومعالجة تلك التبعات.
ولم يقتصر انقلاب معاوية على الإنقلاب العسكري والاستيلاء على السلطة بالقوة وتحويل نظام الحكم الذي كان شورى إلى حكم دكتاتوري ملكي متوارث بديل عن ما كان من حكم وبدل ما كان الحاكم خادم للشعب أصبح الشعب خادم للحاكم بل انقلب معاوية على الدين المحمدي الذي جاء به رسول اللّه وحرف كل شيء وخلق دين مغاير مجوف مخالف لما انزل اللّه وابتدع أحاديث نسبها لرسول الله ولا تزال هي من تسير الأمة حتى اليوم.
كما أن معاوية هو من ابتكر الفكر الداعشي وهو أول من قطع راس مسلم وهو من ابتكر مفهوم الجهاد بالنسخة التي نعرفها وقد ارسل الجيوش تحت هذا المصطلح تغتصب الدول والشعوب وتصادر ثرواتهم تحت مسمى الغنائم مع أن رسول الله لم يرسل جابيا واتخذ من الرجال عبيد والنساء جواري مع أن الإسلام جاء لتحرير العبيد وللقضاء على هذا الفعل الجاهلي ويكذب من يقول أن رسول الله قد جعل من الأسرى عبيد وجواري بل أن رسول الله لم يرسل الجيوش لنشر الدين كون الدعوة إلى الله لا تكون بالجيوش التي تحمل السيوف بل بجيش يحمل الوعي والحجة والموعظة ولم نسمع أن نبي أو رسول قد نشر ودعى إلى الله بكتائب من المقاتلين وكل معارك رسول اللّه كانت دفاعية وعقاب لمن نقض العهود والمواثيق وضد من حارب دين الله ومنع الناس من الإيمان وعبادة الله.
اما لفرض الدين فقد قال الله لا إكراه في الدين بل هو اختيار من شاء فاليؤمن ومن شاء فاليكفر والله يقول لرسوله (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) ولم يكن هدف معاوية من ارسل الجيوش لنشر الإسلام بل لتكريه الناس بالإسلام مع أن أغلب معارك معاوية ومعارك الدولة الاموية كانت داخلية وضد أولياء الله ومن يرفضوا الانحراف الأموي وهو من أسس لجرائم الاغتيالات السياسية بالسم وقد سمم مالك الاشتر والإمام الحسن وغيرهم.
وختم معاوية حياته بأخذ البيعة بالسيف لولده يزيد الذي كان طفل مشهور بالفسق والكفر وحاقد وكاره لكل ما جاء به محمد بن عبدلله وكل من ينتمي إليه ومتولي له وقد ارتكب بحقهم سلسلة من الجرائم والمجازر البشعة التي خلدها التاريخ لكونها الأكثر بشاعة وفضاعة وشذوذ وأبرز تلك المجازر مجزرة كربلاء بحق سيد شباب أهل الجنة سبط رسول اللّه وولد فاطمة الزهراء عليها السلام وابن إمام الأمة وباب مدينة العلم التي أساسها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وضد العشرات من أصحاب وأهل الحسين من ال بيت رسول اللّه أغلبهم نساء وأطفال.
ليذهب بعدها الفاسق يزيد إلى مزبلة التاريخ ويتولى الحكم بعده مروان بن الحكم الذي أمر رسول اللّه بقتله ولو تعلق على ستار الكعبة وعاش منفي في الطايف ومحرمة عليه مكة والمدينة أيام رسول اللّه وفي زمن الخليفة أبو بكر رضي اللّه عنه حتى تم العفو عنه من قبل عمر ليصبح الكل في الكل أيام عثمان الذي جعل منه مدير مكتبة ويده اليمني.
أتحدث عن حقائق تاريخية ثابته ومتفق عليها من قبل الجميع سنة وشيعة ولم أتحدث عن معاوية بمنظور الشيعة ولست شيعي ولا اؤمن بالمذاهب ولا أسعى لاثارة الخلافات المذهبية أو الإساءة إلى أحد ويجب التفريق بين الخلفاء الراشدين وبين معاوية ودولة بني أمية وعدم الربط بينهم ومن الاجحاف ربط مذهب أهل السنة بمعاوية ودولة بني أمية أو أن ننسب لهم معاوية ووالده.
كما الهدف من سرد التاريخ ليس وضع تلك الشخصيات في قفص الاتهام ومحاسبتها فقد أصبحت ماضي وبين يد الله بل لمعالجة وتصحيح المسار والانحراف الذي اوجدته والاعتراف بأن هناك مشكلة كبيرة أدت إلى إيصال الأمة إلى ماهي عليه اليوم ويجب أن نتوقف عند تلك المشكلة ونجد لها حل دون تعصب حتى لا نستمر في الدوران في حلقة مفرغة واعتقد أن محاولات تلميع تلك الشخصيات وتزيف التاريخ والإصرار على التمسك بتراث كاذب ومحرف يفاقم المشكلة ويطيل من عمر الفشل الذي تعيش فيه أمة الإسلام.




